ليست الدولة ثوباً يُستعار في الأعياد ويُخلع عند أوّل امتحان. الدولة، في المعنى الذي دفع هذا البلد ثمنه دماً وهجرةً وخراباً، هي الجهة الوحيدة التي يحقّ لها أن تتكلّم باسم الجميع، وأن تقرّر الحرب والسلم، وأن تفاوض أو ترفض، وأن تقول نعم أو لا. وما السفير إلّا صوتها حين تكون بعيدة، ويدها حين تقصر يداها عن الوصول. ليس السفير صاحب رأيٍ شخصيّ في عاصمة الاعتماد، ولا ناشطاً يُغرّد على هواه؛ إنّه الدولة متجسّدةً في شخص، يحمل أوراق اعتماده من رئيس الجمهورية، ويتحرّك بتعليمات حكومته، ولا يُسأل إلّا أمامها عن كلّ كلمة قالها أو امتنع عن قولها. وفي واشنطن تحديداً، لا يجلس سفير لبنان في صالون مجاملات. هناك، في العاصمة التي ترعى مساراً تفاوضياً ارتضته الحكومة اللبنانية سبيلاً إلى وقف النزف واستعادة الأرض وتثبيت الحدود، تُدار المصائر لا المجاملات. وهناك، في واحدة من أكثر اللحظات حراجةً منذ عقود، تقف سفيرة لبنان ندى حمادة معوّض لتؤدّي ما يُسمّى في لغة الدبلوماسية تنفيذ السياسة العامة للدولة، وما يُسمّى في لغة الوطنية البسيطة: الدفاع عن لبنان حيث لا يدافع عنه أحدٌ سواه. ثمّ يأتي إخبار. ورقةٌ تُقدَّم إلى النيابة العامة التمييزية، عمادها «الأخبار المتداولة»، تتّهم سفيرة الجمهورية بأنّها اتصلت بنظيرها الإسرائيلي في واشنطن مستنكرةً حادثة دهسٍ أصابت ابنه في الضفة الغربية، وتستند، فوق ذلك، إلى أنّ وزارة الخارجية لم تُصدر بيان نفي. هكذا، وبخفّةٍ تكاد تكون فاضحة، صار الصمتُ قرينة، وصارت الشائعةُ دليلاً، وصار تنفيذُ السياسة الخارجية للدولة شبهةً تُحال أوراقها إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. ولنبدأ من حيث يجب أن يبدأ كلّ رجل قانون: من الشكل. صحيحٌ أنّ الإخبار حقٌّ لكلّ شخص، لكنّه ليس رخصةً مفتوحة لتحويل القضاء الجزائي إلى منبرٍ للمزايدة. الإخبار يقوم على وقائع، لا على ما «يُتداول»؛ والنيابة العامة جهةُ تحقّق في جرائم، لا مكتبُ رصدٍ لمواقع التواصل. أمّا الاحتجاج بعدم صدور نفي، فتلك سابقةٌ لا يعرفها نظامٌ قانونيّ يحترم نفسه. فمنذ متى يقع على المتّهم، فكيف بالدولة، عبءُ نفي الشائعة كي لا تتحوّل إلى جرم؟ إنّ قرينة البراءة ليست ترفاً فقهياً؛ إنّها مبدأ ذو قيمة دستورية، التزم به لبنان صراحةً حين نصّت مقدّمة دستوره على التزامه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يجعل كلّ متّهم بريئاً إلى أن تثبت إدانته، لا إلى أن يثبت هو براءته ببيان صحافي. وفي الشكل أيضاً، يتجاهل الإخبار أنّ السفيرة موظّفة عامّة في ملاك وزارة الخارجية والمغتربين، وأنّ ما يُنسب إليها، لو صحّ، فعلٌ ناشئ عن الوظيفة ومرتكَب في معرض ممارستها. ونظام الموظفين، الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959، لم يترك هذه المسألة لأهواء المُخبِرين، إذ أخضع ملاحقة الموظف جزائياً عن الجرائم الناشئة عن الوظيفة لموافقة الإدارة التي ينتمي إليها. ثمّ إنّ مساءلة السفير عن تنفيذ السياسة الخارجية هي، في أصلها، مساءلةٌ سياسية ومسلكية، تمرّ بالوزير المختصّ الذي يتحمّل، وفق المادة 66 من الدستور، مع الحكومة مجتمعةً تبعةَ سياستها أمام مجلس النواب. أمّا أن يُقفز فوق الإدارة والحكومة والبرلمان معاً، دفعةً واحدة، إلى القضاء العسكري، فذلك ليس إجراءً، بل تجاوزٌ لبنيان الدولة برمّته. ونصل إلى المضمون، وهو أدهى. إنّ جرائم التعامل مع العدو، سواء في باب الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي من قانون العقوبات أو في قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، وُضعت لحماية الدولة ممّن يخونها، لا لملاحقة الدولة حين تمارس سيادتها. وهي جرائم لا تقوم بمجرّد اتصال أو كلمة، بل تستلزم ركناً مادياً محدّداً، كعقد اتفاق أو صفقة أو تقديم معلومات أو خدمة للعدو، وركناً معنوياً قوامه قصد الإضرار بالدولة أو خدمة العدو على حسابها. فأين الاتفاق؟ وأين الصفقة؟ وأين المعلومة المسرّبة؟ وأين قصد الإضرار بلبنان في كلمةٍ إنسانية، إن قيلت، داخل مسارٍ تفاوضيّ تديره الدولة نفسها؟ والأخطر أنّ الإخبار يتجاهل الدستور ذاته. فالمادة 52 تجعل التفاوض في المعاهدات الدولية من صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، والمادة 65 تُنيط بمجلس الوزراء وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات. فإذا كانت السلطة الدستورية قد اختارت التفاوض، وكانت السفيرة تعمل في إطار هذا الخيار، فبأيّ منطق يُلاحَق المنفِّذ على ما قرّرته السلطة المختصّة؟ وكيف يُعقل أن يكون الفعلُ مشروعاً في السراي وقصر بعبدا، ومشبوهاً في واشنطن؟ إنّ قانون العقوبات نفسه، بما قرّره من أسباب تبرير، لا يعدّ جرماً الفعلَ المرتكب ممارسةً لحقّ أو تنفيذاً لأمر صادر عن سلطة مشروعة. فالإخبار، إذن، لا يتّهم السفيرة، بل يتّهم الدولة اللبنانية بأنّها دولة. وقد يُقال، وقيل فعلاً، إنّ ما جرى ليس ادّعا