الأخبار: تكشف انتخابات «اتحاد العائلات البيروتية» تبدّل موازين النفوذ داخل العاصمة، مع تقدّم حلفاء مخزومي المدعوم سعودياً على «المستقبل»، وسط خلافات سياسية وعائلية يمضي مشروع إقفال «بيت الحريري» قدماً، وهذه المرة من بوابة بيروت نفسها. فبعدما ابتعد سعد الحريري عن المشهد السياسي، وتراجعت مظاهر الرعاية السعودية المباشرة لـ«الحريرية السياسية»، تأتي انتخابات «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» لتكشف أن ما يجري يتجاوز معركة انتخابية على هيئة إدارية، إلى إعادة رسم موازين النفوذ داخل العاصمة. واللافت أن البصمات السعودية في هذا المسار تبدو واضحة، وإلّا فما معنى أن تتولى قناتا «العربية» و«الحدث» السعوديتان متابعة انتخابات «اتحاد عائلي» وكأنها خبر أول، في وقت تفيد معطيات مؤكدة بأن «جماعة» الموفد السعودي يزيد بن فرحان وضعوا ثقلهم في هذه المعركة. وحين تتحوّل انتخابات مؤسسة عائلية بيروتية إلى مادة تحظى بهذا الاهتمام الإعلامي والسياسي السعودي، يصبح من الصعب فصل ما يجري عن المسار الأوسع لإعادة ترتيب الساحة السنّية وإخراج «الحريرية السياسية» من آخر شبكات نفوذها في العاصمة. ومن هنا، لا تبدو خسارة اللائحة المدعومة من «المستقبل» أمام اللائحة المدعومة من فؤاد مخزومي ورؤساء الاتحاد السابقين، مجرد خسارة انتخابية عابرة. فالمؤسسة التي لطالما شكّلت إحدى بوابات رفيق الحريري إلى بيروت، باتت اليوم في قلب معركة على من يرث هذا النفوذ، ومن يملأ الفراغ الذي خلّفه غياب سعد الحريري. وليست هذه المرّة الأولى التي يخرج فيها «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» من «العباءة الحريرية». إلا أن نتيجة الانتخابات التي جرت مساء الجمعة الماضي قد تكون الأكثر فجاجة في إعلان «التمرّد البيروتي» على «تيار المستقبل»، وأوضح المؤشرات إلى تراجع حضور «الزرق» في العاصمة، بفعل ابتعاد الرئيس الحريري عن المشهد السياسي. وليست هذه الانتخابات حدثاً عابراً. فلطالما ردّد الرئيس رفيق الحريري أن «الاتحاد هو حزبي»، وهو ما كان عليه فعلياً منذ أن ساهم في تأسيسه عام 1998، ليكون حاضنة بيروتية شعبية لرجل الأعمال الصيداوي الآتي حديثاً إلى العاصمة. أحكم الحريري الأب قبضته على مفاصل الاتحاد، ومدّه بالمال والنفوذ، ليكون بوابته إلى العاصمة، ومن خلف أسواره كان «أبو بهاء» ينتقي مرشحيه للانتخابات النيابية والبلدية. لذلك، كان طبيعياً أن تنتقل السلطة داخل «الاتحاد» من الأب إلى الابن، وأن يكون رؤساؤه، ومعظم أعضاء هيئته الإدارية، من «الحريريين» الذين اختيروا أصلاً في غرف قصر قريطم، ثم في «بيت الوسط». وقد استمر هذا الواقع لأكثر من ثلاثة عقود، قبل أن تتصدّع وحدة «الاتحاد» في انتخابات عام 2022، بعدما نجح «رجالات» الرئيس فؤاد السنيورة في استمالة «تريو» الرؤساء السابقين، والممسكين بمفاصل الاتحاد: محمد عفيف يموت، ومحمد خالد سنو، ومحمد أمين عيتاني. وببساطة، خرج هؤلاء عن قرار «المستقبل» بعدم المشاركة في الانتخابات النيابية، وحوّلوا مقر «الاتحاد» في مار الياس إلى ماكينة انتخابية للائحة الوزير السابق خالد قباني، وتحديداً للمرشح ماجد دمشقية. وعلى خلفية هذه المواجهة، خاض «المستقبليون» معركة انتخابات «الاتحاد» عام 2023، وتمكّنوا من ردّ الصاع إلى «تريو الرؤساء» المتحالفين مع النائب فؤاد مخزومي، والفوز برئاسة الاتحاد عبر محي الدين كشلي، إلى جانب حصد غالبية مقاعد الهيئة الإدارية. لكنّ «تريو الرؤساء» لم ينم على ضيمه، فواصل محاولاته تحريك العائلات البيروتية في وجه «المستقبل». وفي الأصل، لم تكن المعركة مع كشلي سياسية فحسب، بل حملت أيضاً خلفية طبقية، إذ لم يتمكّن هؤلاء من «هضم» أن يكون موظف متقاعد رئيساً لاتحاد اعتاد أن يتولّى رئاسته أبناء كبار العائلات البيروتية الثرية. لذلك، لم يُسمح لكشلي بتجاوز حدود «مجلس اللوردات» الذي يشكّله «تريو الرؤساء»، وساهم في ذلك افتقار «الاتحاد» للموارد المالية. فاضطر كشلي إلى جمع التبرعات لشراء مقر جديد، من دون أن يكون قادراً على «وضع يده في جيبه»، كما كان يفعل رؤساء الاتحاد السابقون. كان لافتاً حجم الإنفاق الذي سخّره مخزومي للمعركة ولاستمالة شخصيات كانت محسوبة سابقاً على «الحريرية السياسية» وبالتوازي، كان مخزومي يعمل على استمالة جمعيات العائلات المنضوية في «الاتحاد»، عبر إغداق المال والمساعدات عليها «على الطريقة الحريرية». وسهّل ذلك خوضه معركة واسعة لإضعاف نفوذ «التيار الأزرق»، عبر ترشيح محسوبين عليه، واستمالة شخصيات كانت محسوبة سابقاً على «الحريرية السياسية» وتمتلك حيثية بيروتية، وفي مقدّمها وليد كبي، الذي يُرجّح أن يتولى رئاسة «الاتحاد». وكان لافتاً حجم الإنفاق الذي سخّره مخزومي للمعركة، وصولاً إلى تخصيص ماكينة انتخابية متطوّرة لمواكبة العملية، إذ استخدمت لجنة الإشراف تطبيقاً إلكترونياً م