تستعد قوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) لإنهاء عملياتها الميدانية في جنوب لبنان نهاية ديسمبر/كانون الأول المقبل بعد نحو خمسة عقود، وسط جدل دولي حول من يملأ الفراغ الأمني في ظل احتلال إسرائيلي متمدد. قرار الإنهاء ليس انسحابا عاديا لقوة أنهكها الزمن، بل لحظة تنكشف فيها هشاشة المعادلة التي قامت عليها البعثة. فالقوة التي جاءت لمراقبة انسحاب إسرائيل تغادر اليوم بينما تسيطر الأخيرة على نحو 600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، أي ما يعادل 6% من مساحة لبنان. وفي تقرير أعدته للجزيرة شيماء بوعلام، يتبين أن مجلس الأمن الدولي اتخذ قرار الإنهاء عام 2025 بضغط أمريكي إسرائيلي، لتطوى صفحة بعثة انتشرت منذ عام 1978 في ضوء القرارين الدوليين القرارين 425 و426، ثم تعزز وجودها ضمن إطار القرار 1701 الصادر عام 2006. ويمتد النفوذ الإسرائيلي الميداني من الناقورة غربا إلى جبل الشيخ شرقا، مرورا بمشارف النبطية، فيما تحولت بلدات مثل زوطر الغربية وفرون وصريفا إلى مناطق تماس مفتوحة. الأساس القانوني للإنهاء هو القرار 2790 الذي أقره مجلس الأمن بالإجماع في 28 أغسطس/آب 2025، وينص على وقف عمليات البعثة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، يليه انسحاب تدريجي خلال عام، مع تكليف الأمين العام بتقديم خيارات لمرحلة ما بعد الانسحاب. لكن العقبة الأعمق أن نحو نصف مواقع اليونيفيل تقع في أراض تسيطر عليها إسرائيل، ما يجعل تسليمها للجيش اللبناني "صعبا جدا" بحسب قائد البعثة اللواء ديوداتو أباجنارا. وهنا يتبدل جوهر السؤال من "من يخلف اليونيفيل"؟ إلى سؤال أصعب: كيف تعمل أي قوة أصلا في ظل احتلال قائم تتوزع داخل نطاقه مواقع البعثة نفسها؟ وتزيد الصورة تعقيدا أن الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وقعته لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو/حزيران 2026 لا يذكر القرار 1701 ولا دورا لليونيفيل أو لخلف أممي، إذ يقوم على نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي. في الأول من يونيو/حزيران 2026، رفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن ثلاثة خيارات لمرحلة ما بعد البعثة، وفق رسالته الرسمية (الوثيقة S/2026/453) – الخيار الأول (نحو 5500 فرد): 350 مراقبا غير مسلح، وأربع كتائب مشاة قوام كل منها 750 جنديا، واحتياطي من 700 عنصر، إضافة إلى وحدات دعم وإسناد وتمكين لم تحدد الرسالة عددها، بقدرة مراقبة تمتد حتى نهر الليطاني وشماله. – الخيار الثاني (نحو 3300 فرد): 285 مراقبا، وكتيبتا مشاة قوام كل منها 750، واحتياطي من 450، مع وحدات دعم، وتركيز بين الخط الأزرق والليطاني. – الخيار الثالث (نحو 2000 فرد):215 مراقبا، وكتيبتان خفيفتان قوام كل منها 450، وقوة رد سريع من 350، مع حد أدنى من عناصر التمكين، بلا قدرة على الفصل بين الطرفين. الخيارات الثلاثة تصطدم بجدار سياسي. فقد خلصت دراسة لمجلس العموم البريطاني إلى أن أي قوة جديدة تحتاج تفويضا من مجلس الأمن، وقد تواجه فيتو أمريكيا يعطل ولادتها. سياسيا، ترفض إسرائيل والولايات المتحدة أي قوة جديدة، وقال المندوب الإسرائيلي داني دانون إنها قد تمنح حزب الله "منصة لإعادة بناء قوته". في المقابل، تدعم الصين وروسيا استمرار وجود أممي ومراجعة قرار الإنهاء. أوروبيا، تقود فرنسا وإيطاليا تحالفا لقوة متعددة الجنسيات، وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس استعداد عشر دول أوروبية للمساهمة، فيما يتجه الاتحاد إلى إنشاء بعثة لتدريب الجيش اللبناني لا بديلا مباشرا عن اليونيفيل. كما أبدت تركيا استعدادها للمشاركة في أي ترتيب لاحق. ويرى العميد حسن جوني، الخبير العسكري، أن الأثر الميداني المباشر لغياب اليونيفيل سيكون محدودا لأنها لا تنفذ مهام قتالية، لكن قيمتها الحقيقية في المراقبة والتوثيق والردع المعنوي الذي يوثق الخروقات أمام المجتمع الدولي. بعد نصف قرن دفعت فيه البعثة كلفة بشرية هي الأعلى لأي مهمة أممية، إذ قتل 346 من عناصرها منذ 1978 بحسب الأمم المتحدة، تغادر اليونيفيل لا لأن مهمتها اكتملت، بل لأن المعادلة التي حملتها لم تعد قائمة. فالخيارات الثلاثة، مهما تباينت أرقامها، تبقى معلقة على قرار سياسي واحد في واشنطن وتل أبيب، بينما يتمدد الاحتلال في الميدان الذي يفترض أن تراقبه أي قوة قادمة.