تراقب عواصم أوروبية عن كثب الانتخابات الإسرائيلية، لكن اهتمامها لا يقتصر على هوية الفائز، إذ تكشف المعطيات عن متابعة دقيقة لما يجري داخل المجتمع الحريدي، انطلاقًا من تصور سياسي يرى في غادي آيزنكوت مرشحًا محتملًا لرئاسة الحكومة بعد بنيامين نتنياهو، وفي الأحزاب الحريدية شريكًا قد يمنحه حكومة مستقرة من دون الحاجة إلى الاعتماد على الأحزاب العربية. وبحسب تقرير للصحافي إيتامار آيخنر في موقع "ynet" الإسرائيلي، تتابع دول الاتحاد الأوروبي باهتمام كبير مسار الانتخابات في إسرائيل، فيما تأمل بعض العواصم الأوروبية في مرحلة سياسية جديدة بعد نتنياهو، وترى في آيزنكوت شخصية محورية يمكن أن تقود "معسكر التغيير" وتصبح رئيس الحكومة المقبل. لكن الحسابات الأوروبية، وفق التقرير، لا تتوقف عند فوز آيزنكوت، بل تمتد إلى سؤال كيفية ضمان بقاء حكومة يرأسها واستقرارها. وفي بروكسل وعدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، لا يُخفى، بحسب التقرير، الرغبة في استبدال نتنياهو بوصف ذلك هدفًا مركزيًا في إدارة العلاقات مع إسرائيل. وفي المقابل، يدرك الأوروبيون أن حكومة يقودها "معسكر التغيير" وتعتمد على دعم خارجي، على غرار حزب "راعم" بزعامة منصور عباس، قد تكون هشة وقصيرة العمر. ومن هنا، يظهر السيناريو الذي تعتبره جهات أوروبية أكثر ملاءمة للاستقرار: حكومة من الوسط واليسار برئاسة آيزنكوت، تشارك فيها أيضًا الأحزاب الحريدية. ولهذا السبب، سخّرت سفارات دول أوروبية في إسرائيل، خلال العام الأخير، موارد وجهودًا لمتابعة المجتمع الحريدي وفهم تركيبته السياسية والاجتماعية بصورة أكثر عمقًا. وفي مثال على هذا الاهتمام، زار السفير السويسري لدى إسرائيل سيمون غايسبولر، قبل نحو 3 أسابيع، منزل الصحافي الحريدي يانكي فاربر، حيث أجرى معه نقاشًا معمقًا بهدف فهم المجتمع الحريدي في إسرائيل واتجاهاته قبيل الانتخابات. ولا تقتصر المتابعة الدقيقة للانتخابات وللسياسات الداخلية الخاصة بالمجتمعات المختلفة على الدول الأوروبية، إذ تقوم بذلك أيضًا دول عربية تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل. وتستعين دول الاتحاد الأوروبي، وفق التقرير، بمحللين وخبراء متخصصين يتابعون التقارير والتطورات السياسية في إسرائيل، مع تركيز خاص على المجتمع الحريدي، قبل إعداد تقارير دورية معمقة تُرفع إلى قادة الدول ووزارات الخارجية الأوروبية. وتتناول هذه التقارير مجموعة واسعة من الملفات المرتبطة بالسياسة الحريدية، من بينها نسبة الاقتراع المتوقعة داخل المجتمع الحريدي، والخلاف الداخلي في حزب "ديغل هتوراه" الذي يمثل الجمهور الليتواني الحريدي. كما تتابع التوترات بين التيارات الحسيدية داخل حزب "أغودات يسرائيل"، ومن بينها الخلافات بين جماعتي غور وبيلز، وبين غور و"شلومي إيمونيم"، وكذلك بين بيلز و"شلومي إيمونيم" من جهة وحسيدية فيجنيتز من جهة أخرى. وتشمل المتابعة أيضًا قياس مستوى التأثير الحقيقي للحاخامات على المجتمع الحريدي وأنماط تصويته، فضلًا عن احتمالات نجاح حزب حريدي بديل لا ينتمي إلى "يهدوت هتوراه" أو "شاس"، مثل "الجمهور الحريدي" أو "اللون الأسود"، في تجاوز نسبة الحسم. وقال دبلوماسي بارز في الاتحاد الأوروبي إن التحليل السياسي الجاري على الأرض بدأ يُظهر نتائج واضحة. وأوضح أنه في الوقت الذي يعتمد فيه قادة آخرون في معسكر التغيير، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، خطابًا هجوميًا نسبيًا تجاه الأحزاب الحريدية وقياداتها، تبدو صورة آيزنكوت مختلفة بعض الشيء. وأشار إلى أنه رغم صدور انتقادات من حين إلى آخر عن أعضاء في فريق آيزنكوت وقائمته ضد السياسة الحريدية، فإن ذلك لم يتحول إلى حملة حادة مناهضة للحريديم أو إلى هجمات مباشرة على قياداتهم. وقال الدبلوماسي: "آيزنكوت حذر جدًا من إغلاق الباب ومن تفويت فرصة تشكيل حكومة مستقرة". وأضاف: "تحت الرادار يوجد حوار بين الطرفين، حتى وإن لم يكن رسميًا ويجري عبر وسطاء أو قنوات هادئة". وتابع: "المصلحة الأوروبية والمصلحة السياسية لآيزنكوت تلتقيان تمامًا عند هذه النقطة: إبقاء الباب مفتوحًا أمام المجتمع الحريدي من أجل إنتاج استقرار حكومي في اليوم التالي لنتنياهو". وبذلك، لا تبدو العواصم الأوروبية منشغلة فقط بمن سيهزم نتنياهو في صناديق الاقتراع، بل بمن يستطيع بعد ذلك جمع أطراف متناقضة داخل حكومة واحدة؛ وفي هذه المعادلة، يتحول الحريديم من تفصيل انتخابي داخلي إلى مفتاح محتمل للاستقرار السياسي في إسرائيل ما بعد نتنياهو.