كتبت ميشيلا رزق وأنطوني شمعون في موقع The Beiruter المقال الآتي: لم تعد الأقساط المدرسية والجامعية المرتفعة مجرد عبء مالي على العائلات اللبنانية التي تكافح لتأمين تعليم أبنائها، بل باتت تؤثر بصورة متزايدة في القرارات المرتبطة بمستقبلهم، وفي بعض الحالات، في خيار البقاء في لبنان أو التفكير في الهجرة. وفي ظل هذا الواقع القاتم، أعلن البابا لاوون الرابع عشر مبادرة فاتيكانية جديدة لتوفير منح دراسية للأطفال والشباب من أبناء العائلات المسيحية الأكثر حاجة في لبنان وسوريا والعراق، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن الأسر ومساعدة الأجيال الشابة على متابعة تعليمها في أوطانها. لكن أهمية المبادرة تتجاوز حدود المساعدة المالية. ففي مقابلة حصرية مع The Beiruter، أوضح سفير لبنان لدى دولة الفاتيكان، سعادة السفير فادي عساف، أن المبادرة «تلامس أحد الشروط الأساسية لاستمرار الحضور المسيحي في لبنان، وهو إتاحة التعليم والحفاظ على المؤسسات التربوية التي تشكّل جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلد». مبادرة فاتيكانية تضع التعليم في صلب أولوياتها أُعلنت المبادرة في 10 تشرين الأول 2026، خلال استقبال البابا لاوون الرابع عشر أعضاء سينودس أساقفة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك الأنطاكية، وهي إحدى الكنائس الكاثوليكية الشرقية ذات الجذور التاريخية العميقة في الشرق الأوسط. وتعود جذورها إلى أنطاكية، حيث أُطلق اسم «المسيحيين» على أتباع يسوع للمرة الأولى، بحسب ما ورد في العهد الجديد. ووفقاً لدائرة الكنائس الشرقية في الفاتيكان، التي ستشرف على تنفيذ المبادرة، ستغطي المنح الدراسية الأقساط السنوية للمدارس والجامعات للطلاب الذين سيجري اختيارهم للاستفادة منها. ووصف الفاتيكان المبادرة بأنها تعبير عن «الاهتمام الأبوي» الذي يوليه البابا للأطفال والمراهقين والشباب وعائلاتهم، مؤكداً أنها تجسّد قرب الكنيسة الكاثوليكية من المجتمعات التي عانت سنوات من عدم الاستقرار، ولا تزال تسعى إلى الحفاظ على حضورها الديني والثقافي والاجتماعي. دعم التعليم وتعزيز فرص الاستقرار تأتي مبادرة الفاتيكان في وقت تواجه فيه المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والنزاعات والهجرة، ما يهدد فرص الحصول على التعليم واستمرارية وجود هذه المجتمعات في المنطقة. وفي لبنان، أدت الأزمة المالية التي بدأت عام 2019 إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية للأسر، ما جعل التعليم الخاص، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في النظام التربوي اللبناني، أكثر صعوبة من الناحية المادية. ومع ارتفاع الأقساط المدرسية والجامعية، وتدهور قيمة العملة، واستمرار الضبابية الاقتصادية، باتت عائلات كثيرة تواجه صعوبات في إبقاء أبنائها على مقاعد الدراسة. وفي هذا السياق، حذّر عساف من أن الضغوط الاقتصادية تدفع بعض العائلات إلى اتخاذ قرارات مصيرية، قائلاً: «فالظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العائلات اللبنانية، ولا سيما العائلات الأكثر هشاشة، جعلت كلفة التعليم عبئاً متزايداً، وقد تدفع بعض الأسر إلى خيارات صعبة، من بينها إخراج أبنائها من المدارس أو الجامعات، أو حتى التفكير في الهجرة. ومن هنا تأتي المبادرة في لحظة دقيقة لتقول إن دعم التعليم هو أيضاً دعم لإمكانية البقاء والاستمرار في الوطن». ولا يختلف المشهد كثيراً في سوريا والعراق، حيث أدت سنوات النزاع وعدم الاستقرار إلى تعطيل المسارات التعليمية، وتقليص الفرص الاقتصادية، وتسارع موجات النزوح والهجرة. وقد انعكست هذه التحولات على الواقع الديموغرافي للمسيحيين في المنطقة. فبحسب مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، شكّل المسيحيون نحو 2.9% من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2020، أي ما يقارب 13 مليون نسمة، مقارنة بـ3.3% عام 2010. وفي العراق، أدت تداعيات الغزو الأميركي عام 2003 وأعمال العنف التي تلته، ولا سيما صعود تنظيم «داعش»، إلى تهجير أعداد كبيرة من المسيحيين من مناطقهم، خصوصاً في سهل نينوى. كذلك تسببت الحرب في سوريا بموجات واسعة من النزوح والهجرة. وفي مواجهة هذه التحديات، اعتبر عساف أن مبادرة الفاتيكان تمثل انتقالاً من التعبير عن التضامن مع المجتمعات المسيحية إلى تقديم دعم مؤسساتي ملموس لها. وأوضح أن «المبادرة تحمل كذلك رسالة واضحة بأن اهتمام الكرسي الرسولي بالوجود المسيحي في لبنان والمنطقة لا يقتصر على المواقف السياسية أو الدعوات إلى البقاء، بل يترجم إلى دعم عملي للمؤسسات التي تساعد العائلات على بناء مستقبلها في بلدانها». ورغم عقود من الاضطرابات، لا تزال المجتمعات المسيحية تؤدي دوراً بارزاً في الحياة التربوية والثقافية والاجتماعية في المنطقة، من خلال المدارس والجامعات والمستشفيات والجمعيات الخيرية. ويُعدّ لبنان، الذي يضم إحدى أكبر المجتمعات المسيحية في الشرق