انتفض جزء من المسيحيين في لبنان، على قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بعد طرحه إعادة خدمة العلم، في موقف لا تنفصل خلفياته عن الحسابات الطائفية، بذريعة التوازن المذهبي داخل المؤسسة العسكرية. وخلف الاعتراضات المعلنة، تبرز هواجس من أن تعيد الخدمة الإلزامية خلط التوازنات القائمة بين ضباط الجيش، في ظل الواقع الديموغرافي اللبناني، وما قد يترتب عليه من تبدلات في الستاتيكو الطائفي الذي يحكم المؤسسة العسكرية. انطلقت ردود الأفعال إثر حديث قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في 11 تشرين الأول 2026، على هامش ماراثون الجيش الذي أقيم تحت شعار "سوا مكملين". وفي حديثه لقناة MTV، أمل هيكل بعودة خدمة العلم قريباً، رغم اعتقاده بأنها قد تثير اعتراضات لدى بعض اللبنانيين. ويرى أن عودتها تساهم في تعزيز اللُّحمة والوحدة الوطنية. الحال أن خدمة العلم تعود إلى أحاديث اللبنانيين، ومعها حسابات المعيشة والدراسة والعمل، وصولاً إلى الخلاف حول سلاح حزب الله. البعض يرفض إلزام الشباب بالخدمة في الظروف الاقتصادية المعيشية القاسية، وآخرون يؤيدون عودتها بصيغة مختلفة تجمع التدريب العسكري بالتأهيل المهني والخدمة المدنية. اعتراضات من المعيشة إلى السياسة بالنسبة إلى المعترضين، تبدو فكرة قضاء أشهر في الخدمة العسكرية، بعيدة من واقع شباب يحاولون تأمين معيشتهم أو استكمال دراستهم. وبرزت تساؤلات عن قدرة الدولة على تحمّل تكاليف التجنيد، في ظل الصعوبات المالية التي تواجه الجيش نفسه. وتجاوزت الاعتراضات الجانب الاقتصادي إلى اتهامات سياسية طاولت قائد الجيش العماد رودولف هيكل، إذ نسب إليه بعض المنتقدين طموحات رئاسية، بينما طالب آخرون بإعطاء الأولوية لتنفيذ قرارات الحكومة بدلاً من طرح إعادة التجنيد. لا تنفصل اعتراضات جزء من المسيحيين على طرح قائد الجيش إعادة خدمة العلم، عن هواجس تتعلق بالتركيبة الطائفية للمؤسسة العسكرية. إذ يخشى هؤلاء أن تؤدي العودة إلى التجنيد الإلزامي إلى تغيير الستاتيكو القائم داخل الجيش، خصوصاً على مستوى التوزيع الطائفي بين الضباط، في ظل التحولات الديموغرافية اللبنانية (زيادة عدد المسلمين). وتستند هذه المخاوف إلى تجربة خدمة العلم السابقة، حين كان بعض المجندين من حملة الشهادات الجامعية، ومن بينهم الأطباء والمهندسون، يلتحقون بالخدمة بصفة ضباط مجندين. ويرى أصحاب هذه الهواجس أن إعادة اعتماد آلية مماثلة، في ظل الاختلالات الديموغرافية بين الطوائف، قد تنعكس على التوازن العددي والطائفي بين الضباط، وهو ما يعتبرونه مساساً بالتركيبة التي قامت عليها المؤسسة العسكرية. وحضر ملف سلاح حزب الله في التفاعلات، بعدما ربط معترضون بين الدعوة إلى خدمة العلم ومسألة حصر السلاح في يد الدولة. ورأى هؤلاء أن مطالبة الشباب بالخدمة العسكرية تستدعي أولاً حسم دور الجيش في بلد ما زال يشهد خلافاً حول السلاح خارج المؤسسات الرسمية. ولدى المؤيدين، تحمل خدمة العلم بُعداً وطنياً يتجاوز التدريب العسكري، إذ يعتبرون الجيش مدرسة تجمع شباباً من مختلف المناطق والطوائف، وتساعد على تعزيز الانتماء الوطني والتنشئة على الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي. ولا يقتصر التأييد على استعادة التجربة السابقة، إذ برزت مقترحات لتطويرها بما يتناسب مع احتياجات الشباب. بعض المؤيدين دعوا إلى شمول الذكور والإناث بالتساوي، وتنظيم الخدمة على شكل دورات تدريبية من ثلاثة أشهر، مع مراعاة الالتزامات الجامعية وإمكانية استبدال جزء من مدة الخدمة بمقابل مالي. وظهرت دعوات إلى اعتماد نموذج أوسع من التدريب العسكري، يجمع الخدمة المدنية بالتأهيل المهني والتعليمي، ويتيح للشباب اكتساب مهارات تفيدهم في حياتهم العملية. وطرحت آراء مؤيدة، إشراك وزارات التربية والشباب والشؤون الاجتماعية، في الإشراف على برامج الخدمة، بما يتيح الجمع بين التدريب والتأهيل والعمل المجتمعي، بدلاً من اقتصار التجربة على قضاء أشهر داخل الثكنات العسكرية. عرف لبنان خدمة العلم لسنوات طويلة، قبل صدور القانون رقم 665 في شباط 2005، الذي نص على إلغائها نهائياً بعد سنتين. وخلال المرحلة الانتقالية، خُفّضت مدتها إلى ستة أشهر، إلى أن توقف العمل بالتجنيد الإلزامي العام 2007. وسبق أن تقدّم النائب حيدر ناصر، في أيار 2024، باقتراح قانون لإعادة خدمة العلم الإلزامية والتدريب العسكري. وفي تموز 2025، أحالت لجنة الدفاع الوطني النيابية اقتراحاً يتعلق بالتدريب العسكري في خدمة العلم إلى وزارة الدفاع لإبداء رأيها خلال ثلاثة أشهر.