"لم يشهد العالم من قبل انقطاعاً في إمدادات الطاقة بهذه الضخامة"، هكذا وصف المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول حدّة الأزمة في تصريح لصحيفة لوفيغارو الفرنسية. ووصف أزمة النفط والغاز التي أثارها حصار مضيق هرمز بأنها "أخطر من أزمات أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة". كان ذلك في نيسان/أبريل الماضي. وبعد ستة أشهر على هذا التصريح، تشهد سلاسل إمداد الطاقة تفاقماً في الأزمة مع التصعيد على جبهة باب المندب، واستهداف الحوثيين للمملكة العربية السعودية. وقد حثّ بيرول أعضاء الوكالة قبل اجتماعهم المقبل على "دراسة إمكانية تسريع وتيرة طرح الكميات المتبقية للوفاء بهذا الالتزام السابق، مع إعطاء الأولوية للديزل". كذلك حذّرت وكالة الطاقة من "الانخفاض الحاد في المخزونات العالمية"، وأن إعادة بناء هذه المخزونات تتطلب ضخ مليون برميل يومياً فوق نمو الطلب الأساسي لثلاث سنوات. في خضم هذه الأزمة، جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يقضي بتخفيف واشنطن العقوبات المفروضة على الوقود الروسي حتى نيسان/أبريل، مقابل مدّ روسيا الأسواق الأميركية والعالمية بملايين الأطنان من الديزل. وألحق ترامب اتفاقه هذا بالإعلان عن وقف فوري لإطلاق النار واستهداف قطاع الطاقة بين روسيا وأوكرانيا. قرار فاجأ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل غيره. وكان قد سبق للرئيس الأميركي أن حمّل كييف مسؤولية ارتفاع أسعار النفط العالمية، مستبعداً أزمة الشرق الأوسط. من دون الدخول في ردود الفعل على صفقة ترامب – بوتين، فإن الديزل الروسي من شأنه، بحسب باحثين تحدثت إليهم "النهار"، أن يعالج أزمة ارتفاع الأسعار العالمية، وعليه ترتفع أسهم الجمهوريين في الانتخابات النصفية أولاً، كما أن الصفقة تؤمّن مورداً في حال عودة الحرب مع إيران واستخدامها مضيقي هرمز وباب المندب بكامل طاقتهما "العسكرية"، وثالثاً، توطّد العلاقة مع روسيا. وفي كل هذا، تبدو أوروبا المتضرر الأول. من أولى تبعات الحرب في أوكرانيا أن أوروبا قطعت اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية، مستعينة بمصادر أخرى بأسعار أعلى، مما أدى إلى قفزات تاريخية في أسعار الغاز تجاوزت 26 في المئة. وهذا بدوره أدى إلى تباطؤ النمو وزيادة التضخم. الأزمة الاقتصادية، مدفوعة بالخوف من أطماع روسية بتوسيع الحرب، ذهبت بأوروبا إلى فتح خزائنها أمام ميزانيات عسكرية دفاعية غير مسبوقة، ورفع إنفاقها في حلف شمالي الأطلسي إلى خمسة في المئة بضغط أميركي. المدير التنفيذي لـ"المركز الدولي للدراسات التنموية" الدكتور مصطفى يوسف، والمقيم في الولايات المتحدة، لا يرى في "اتفاق الديزل" مجرد أوراق انتخابية لضبط أسعار الطاقة محلياً، بل حسابات استراتيجية أعمق. ويوضح ذلك بوجود "تحوّط واضح لأي تصعيد محتمل في الشرق الأوسط قد يهدد تدفقات نفط الخليج أو يؤدي إلى شلل الممرات البحرية الحيوية. وتأمين بدائل طاقوية مستقرة مسبقاً يعكس استعداداً لمواجهة أزمات واسعة النطاق إن وقعت". بدوره، لا يبدي أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة باريس الدكتور خلدون النبواني، في حديث مع "النهار"، أي شك في أن ترامب "يعاني من انخفاض في شعبيته مع الحزب الجمهوري ويحتاج إلى صفقة سريعة لرفع شعبيته، خصوصاً في ظلّ الامتعاض الكبير لدى الناخب الأميركي من ارتفاع أسعار الوقود". ويعرب عن اعتقاده بأن الصفقة، على الرغم من تحضير الكونغرس لعقوبات شديدة على موسكو، "يمكن أن تمنح روسيا بعض الأوكسيجين الاقتصادي، من خلال تدفق الأموال بعد العقوبات عليها". متظاهرون مؤيدون لأوكرانيا أمام محكمة في هامبورغ خلال محاكمة متهم بتفجير أنابيب نورد ستريم، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) الموقف الأميركي من أوكرانيا والتقارب مع روسيا خلقا موجة كبيرة من الاعتراضات داخل الاتحاد الأوروبي. الموقف الأقسى جاء على لسان رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، الذي وصف الأمر بأنه "صفعة قوية على وجه أوروبا"، وعبّر عن صدمته الشديدة من الخطوة، ولا سيما أن ترامب نفسه انتقد الدول الأوروبية لسنوات بسبب شرائها مصادر الطاقة من روسيا. وذهب في مؤتمر صحافي إلى حدّ الطلب من الأوروبيين اتخاذ "إجراء سريع للرد" على هذه الخطوة، وإلا فإن الأمور "ستنتهي بشكل سيئ". ولا يستبعد يوسف، في حديث مع "النهار"، أن يزيد الاتفاق "من عمق الهوة وتآكل ما تبقى من ثقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية". ويقول إن أوروبا تشعر بأنها "مهمشة ومعرضة للابتزاز، وأن الإدارة الأميركية تبرم صفقات كبرى على حساب أمنها الاستراتيجي واقتصادها". وإن هذا النمط يعزز القناعة الأوروبية بأن "الاعتماد المطلق على المظلة الأميركية بات مخاطرة وجودية، مما يدفعها نحو بحث عسير عن استقلالية استراتيجية تفتقر إلى الإمكانات الفعلية حالياً". وفي المقلب الآخر من الأطلسي، يعرض