يحار المرء حيال كم التوقيعات في معرض بيروت للكتاب، ليجد نفسه مغبة سؤال فحواه: هل نحن مع كل هذه التوقيعات حيال التشبّث بالكتاب أم حيال توديعه؟ هل نحن إزاء استتباب الكتاب في يومياتنا أو إزاء تلويحته الأخيرة لنا؟ ربما توقيع مؤلف الكتاب فوق الصفحة الأولى من كتابه هو محاولة لاستئناف ماض على وشك الانقراض، ماضي الكتاب كما عهدناه منذ احتكاكنا الأول معه. ربما تلك الكلمات الرقيقة التي يخطّها هذا المؤلف أو تلك المؤلفة هي بمثابة تشبّث عيني بورق آيل للزوال. تراني عند استغراقي في قراءة توقيعات أصدقائي على مؤلفاتهم مغبة مناظرة مع ذاكرة متعددة الميول والاتجاهات: ذاكرة الورق، ذاكرة دفتَي الكتاب وذاكرة القلم الذي أخطّ أثناء القراءة ملاحظاتي عبره بين السطور وفوق المساحات البيضاء للصفحات. ربما مع تلك التوقيعات الرقيقة نحن إزاء فعل استجداء ليس من قِبل المؤلّف إنما من قِبل الكتاب بالذات. ربما عبر هذا التوقيع أو ذاك ترى الكتاب يستجدينا التمسّك به، فلفشته، تقليب صفحاته وتأمّل لوحة غلافه وعدد الصفحات. جاء في "تاريخ الكتاب" لألكسندر ستيبتشفيتش (عالم المعرفة العدد 170– ترجمة محمد الأرناؤوط -1993)، أن الأمر في ما يتعلّق بالكتب يتجاوز محض تلك الأبجديات المبثوثة بين الغلاف الأول والأخير. فالكتاب العيني هو بالدرجة الأولى افتراض ثقافي متجذر وواقعة يصار عبرها إلى ترتيب صفحات العالم وجملة أحداثه وما يزخر به من قيل وقال والماضي في هذا الصدد هو عينه الحاضر والمستقبل، المتخيّل والواقعي، الحقيقي والزائف على حدّ سواء. إنه الكتاب حيث تلك الأوراق المتراكمة التي هي تارة همس العالم ووشوشاته وتارة أخرى صخب هذا العالم وضجيجه الممتد في كل اتجاه. فالعالم الخالي من الكتب هو عالم خال من الشفقة وعديم الرحمة بحق حاله بالدرجة الأولى وأراني في هذا الصدد أرى تلك التوقيعات أقرب إلى دعوة مواربة أو ملحة لترميم تلك العلاقة المضطربة التي يبشّر بها عالم الشاشات، العالم الخالي من الكتاب. في ما يتجاوز تاريخياً البُعد المتعارف عليه للتوقيعات، أرى مخيلتي وقد قاربت أصوات الميكروفونات التي تصدح في معرض الكتاب للتذكير بكل تلك التواقيع بمثابة محاولة لنزع الشيخوخة عن الكتاب. تخبرنا تلك التوقيعات الكثيرة أن الشيخوخة كحالة تعنّت لا محلّ لها في دنيا الكتب حيث ذلك الشباب المنتصب على الدوم. إن الشيخوخة كصدى لتراكم السنين هي محل تلف واندثار في حضرة حيوية التواقيع وما يزاحمها من صخب إنساني حميم، هذا ما تبثنا إياه كل تلك التوقيعات وكل تلك الصور الملتقطة للمؤلف أو المؤلفة مع جملة الأصحاب والأصدقاء. فإذا كانت الشيخوخة بعامة هي تجربة مطبوعة باللاطمأنينة فإن شيخوخة الكتاب هي محل وهم...أيضاً وأيضاً، هذا ما تخبرنا به تواقيع معرض الكتاب، بهذا تهمس في آذاننا وبهذا تصدح في كل صوب. إن الإخلاص غير المشروط للكتاب من قِبل أهل الكتاب وناسه يقودني للنظر إلى هذا الحشد أو ذاك في حفلات التوقيع ليس كحشد يعمل مثلاً على إنقاذ سفينة من الغرق على الإطلاق، ذلك أن تلك الوشوشات المنسابة وتلك الإبتسامات التي تعلو الوجوه وترسم الملامح والقسمات تراها تشير إلى سفينة يعمل أهل الكتب هؤلاء على ركوبها والمكوث ما أمكن بين جنباتها في عالم شديد التموّج والاضطراب. نعم، إن الكتاب هو في بعض مآربه أقرب إلى سفينة نجاة، أقرب إلى غرفة مضيئة في عالم يعجّ بالعتمات المترامية في كل اتجاه. فالتواقيع هي عندئذ دعوة لعالم الكتب أن يكون عصياً على التبديل، دعوة لهذا العالم الورقي الرائع لأن يكون عصياً عن كل انقراض. أعيد على نفسي ما قد دوّنه لي أصدقائي الكتّاب من توقيعات وأفرح. أعايش الكِتاب مع تلك التوقيعات الرائعة ككائن منطو على نفسه بمدّ شاسع من الغموض المشع لكن أيضاً بمدّ شاسع من ضروب الحياة. إن الفرضيات المتناقضة للحياة قد تلجأ بتخابط هائل إلى ما بين دفتي الكتاب فإذا بنا كعشّاق للكتب نزاحم تناقض فرضياتنا لهذه الفرضيات المبثوثة فوق ورق لا نهاية له... لنكون إزاء غنى وشهوة وانقضاض وكسل مجدي وكثرة كلام أو صمت حيال العالم باعتباره كتاباً. إنه العالم، أجل، هو العالم مبثوثاً بين السطور والأنفاس والأنامل والنظرات. فالكتاب في متنه الأعمّ هو قَرْص الذاكرة أو التمسيد فوقها أو ركلها أو احتضانها بحنو فريد. تراني مع تلك التواقيع أجرجر خطوات أيامي التي انقضت مع الكتب منذ عقود وعقود. تراني أكدّس ذكريات الدموع حيال اقتنائي هذا الكتاب أو ذاك منذ أن كنت صبياً في الرابعة عشرة من العمر أو ما دون. ليس الكتاب الورقي الفضفاض مجرّد آلة لإنتاج المعرفة وتزويدنا كبشر (لا روبوتات) بالمعلومات، إنه بالأحرى تلك النعمة الورقية التي تجيد شدّ أواصر العلاقة مع العالم ومع الذات وليست كل تلك التواقيع في وجهها الأعم إلا إشارة إلى ضرورة التمسّك بتلك العلاقة التي هي على شفير الإنزيا