كالفار من الأسد إلى المأسدة، تمر المنطقة بأحداث ترسم خريطة تحولات تبدو كبيرة، إن لم تكن جذرية، لكن المهم في هذه الأحداث وهذه التحولات أن أصحاب الشأن لم يمسكوا ريشة ولا قلما لرسم هذه الخريطة؛ فلا هم شاركوا في قرار الحرب على إيران، ولا شاركوا فيها، وحتى دعمهم للعملية العسكرية التي قوضت قوة إيران، وأتت على القيادات الأكبر في البلاد، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، كان مستترا. وهي النتائج التي لا تستطيع طهران نفسها أن تنكرها، كما لا يمكن لها أن تنكر تراجع دعمها لأذرعها في المنطقة، وهو ما سيشكل خللا في توازن القوى الذي مال لصالح الإيراني على مدى عقدين تقريبا. منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي وحتى يوم الناس هذا، لم تكن الطائفية في العراق ولبنان مجرد خيار ديني أو انتماء روحي عفوي، بل جرت هندسة تسييسها لربط مصير أصحاب الطائفة بقرار خارج حدود الوطن، ومن ثم ربط مصير الوطن بعجلات المشروع الإقليمي الذي تعمل عليه إيران. وبينما توهمت النخب الحاكمة في كل من بغداد وبيروت أن الارتهان للقرار الإيراني يمنحها بقاء أبديا، حتى إنه ينسب لقادة الميليشيات في العراق انحيازهم لإيران إذا وقعت حرب بينها وبين بلادهم، كشفت تحولات السنوات الأخيرة عن أن ما يظن أنه حقيقة ما هو إلا سراب جرى خلفه الظمآن، ولم يجده شيئا. المحطة الأكثر أهمية جاءت مع لحظة الحقيقة، المتمثلة في ثورة تشرين في العراق وانتفاضة أكتوبر في لبنان؛ إذ لم يكن هذا الحراك الشعبي مجرد حراك مطلبي، بل كان إعلانا صريحا لرفض المنظومة الطائفية الحاكمة بدأت التجربة اللبنانية كحالة كلاسيكية للطائفية المؤسسية المنظمة التي أعاد اتفاق الطائف، المبرم عام 1989 بعد الحرب الأهلية، صياغتها دون أن يقتلع جذورها. ومع انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، ثم تحول حزب الله من وظيفة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى ذراع إقليمية أبرز لطهران، ظهرت تجليات هذا التحول في التدخل المباشر مع بداية الثورة السورية وتحولها الدراماتيكي المدفوع إلى ثورة مسلحة. لتتحول الدولة اللبنانية، التي تغول حزب الله فيها عسكريا وسياسيا، إلى رهينة ارتبط مصيرها بالقرار الأمني والعسكري، سواء على الجبهة الجنوبية أو بالانخراط في الأزمة السورية، ما أنتج حالة انقسام مجتمعي أفرزت معسكرين يتغذى كل منهما على الخوف المتبادل. ومع التجاذبات السياسية الخارجية، انتهى الأمر بالبلاد إلى انهيار اقتصادي ومؤسسي شامل عام 2019، ليكشف بجلاء أن المحاصصة التي خلفتها اتفاقية الطائف ليست إلا مظلة للاستحواذ والفساد، استطاعت إيران وحدها الاستفادة منها لتتخذ من لبنان حديقة خلفية للهروب من العقوبات الدولية، ومخزنا إستراتيجيا للسلاح والرجال. في العراق، كانت التجربة أكثر وضوحا؛ فقد نقل المحتل الأمريكي الفكرة من المنفى إلى الواقع المؤسسي، بعد أن بدأت داخل أروقة معارضة الخارج، بعد احتلال العراق للكويت، ثم تطورت في مؤتمر لندن عام 2002، بعد أن تبنت المعارضة، لا سيما الشيعية المسلحة والكردية، مفهوم المحاصصة الطائفية والإثنية لضمان التمثيل وإسقاط حزب البعث. لينتقل الأمر إلى الترويج لفكرة الأغلبية المقهورة، وأن حكم البعث اختزل الحكم، على غير الحقيقة، في الأقلية السنية، وهو ما تبناه الاحتلال الأمريكي في دستور ما بعد الاحتلال، لتتحول الدولة إلى غنائم أحزاب ناطقة باسم الهوية المذهبية. وليتحول العراق بين عامي 2006 و2011 إلى ساحة للعنف والقتل على الهوية، وليدخل تنظيم الدولة على الخط، ويستدعي مع تدخله تدخل الدولة بتشكيل الميليشيات الشيعية على نطاق واسع بفتوى الجهاد الكفائي، لتصبح سيادة الدولة مرهونة بالولاء المذهبي المسلح. لكن المحطة الأكثر أهمية جاءت مع لحظة الحقيقة، المتمثلة في ثورة تشرين في العراق وانتفاضة أكتوبر في لبنان؛ إذ لم يكن هذا الحراك الشعبي مجرد حراك مطلبي، بل كان إعلانا صريحا لرفض المنظومة الطائفية الحاكمة. والأهم أنه خرج من داخل بيئتها المجتمعية، التي من المفترض أن تكون حاضنة، فخرج الشباب الشيعي في بغداد والبصرة وكل محافظات الجنوب رفضا لهذه المنظومة، لتظهر إيران وجهها وهدفها من الإبقاء على هذه المنظومة، بعد إرسال عناصر من الحرس الثوري لقمع الاحتجاجات، وهو ما أكدته تسريبات الاستخبارات الإيرانية، فيما يعرف بـ"وثائق إنترسبت". وهي الأحداث التي كشفت عن تآكل النظام الطائفي، وإن ظل يحكم. عاشت منطقة جوار إيران منذ الثمانينيات من القرن الماضي حالة توتر، قد تكون حقيقية، وقد تكون مفتعلة، أو قد تكون طبيعية، لكن الأنظمة لم تستطع التعامل معها واحتواءها بتحصين الداخل واليوم، وبعد التطورات الأخيرة، تعيش المنطقة، ويعيش معها المشروع الذي بدأ مع بداية الثورة الخمينية بتصدير الثورة، أو بالأحرى تصدير المذهب كجسر عبور لاختراق سيادة دول الجوار، مرحلة الانكشاف والضعف البنيوي