لم يعد ملف الشفافية في هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة مجرّد شكاوى أو تساؤلات عن إدارة الأموال، بعدما أصدرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قراراً يُلزمها بتزويد أحد طالبي المعلومات بمستندات مالية وإدارية محدّدة، خلال مهلة 15 يوماً من تاريخ إبلاغها القرار. وتكشف المستندات التي اطّلع عليها “ليبانون ديبايت” أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أصدرت، في 16 أيلول 2026، القرار رقم 30/2026، إثر شكوى تقدّم بها المحامي علي كمال عباس في 27 آب 2026، بعدما اعتبر أن الإجابة التي تلقّاها عن طلبه المتعلق بأموال مواسم الحج ونفقاتها جاءت ناقصة وغير مدعّمة بالمستندات المطلوبة. وكان عباس قد تقدّم بطلب الحصول على المعلومات في 1 تموز 2026، واستفسر فيه عن حقيقة استيفاء 20 دولاراً أميركياً عن كل حاج، والسند القانوني لذلك، والجهة التي استوفت الأموال، والحساب الذي أُودعت فيه، وكيفية إنفاقها والجهة التي تولّت تدقيقها. وشمل الطلب معلومات عن الأشخاص الذين أدّوا مناسك الحج على نفقة الهيئة، وصفاتهم ومهامهم، وأسس تحمّل نفقاتهم، بما فيها السفر والإقامة والنقل وسائر المصاريف، إضافة إلى معلومات عن توقيفات طالت أصحاب حجج غير صحيحة أو مزوّرة، والإجراءات التي اتخذتها الهيئة لمعالجة مخالفات سجّلتها السلطات السعودية. كما تناول مبالغ قيل إن الهيئة استوفتها من مكاتب الحج خلال مواسم سابقة، وكيفية إدخالها في حساباتها وإنفاقها، وأي أموال نُقلت نقداً إلى السعودية والجهة التي تولّت نقلها. وبحسب القرار، أجاب رئيس الهيئة في 24 آب 2026 بصورة عامة، لكنه لم يقدّم المستندات والقيود والفواتير التي تثبت عمليات التسديد والإنفاق، ولم يرفق نسخاً عن قطع الحسابات. وأشارت الهيئة إلى خضوع حساباتها للتدقيق من جهات متعددة، من دون تحديد دفتر شروط التدقيق، أو توضيح ما إذا أُجري تدقيق مستقل في الحسابات موضوع الطلب. كذلك، لم تتضمن الإجابة أسماء الأشخاص واللوائح المطلوبة، واكتفت بالإشارة إلى أنهم متطوّعون، مع نفي وجود مصاريف خاصة لكل شخص، من دون تقديم المستندات التي تتيح التحقق من نفقات السفر والإقامة والنقل والمصاريف التي تحمّلتها الهيئة عن فريق العمل. وتوقّف القرار أيضاً عند الإشارة إلى سلفة نقدية بقيمة 3 مليارات ليرة لبنانية، من دون تحديد مصادرها بصورة واضحة، والجهة التي تسلّمتها وكيفية نقل الأموال إلى السعودية. وطلب الشاكي، ضمن المستندات، القرار الذي أجاز هذه السلفة، وبيان مصير مبلغ 1.446 مليار ليرة لبنانية من أموال موسم 1446 هجري، مع المستندات المتعلقة بالتسلّم والنقل والتسديد والإنفاق والفواتير والرصيد المتبقي. وفي خلاصة قانونية واضحة، اعتبرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن المعلومات المطلوبة لا تدخل ضمن الاستثناءات المنصوص عليها في قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، وأنه لا يوجد مانع قانوني يحول دون تزويد الشاكي بها، وقرّرت إلزام هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة بتقديمها وفق طلبه. وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، لم تُسلَّم المستندات المطلوبة حتى الآن، فيما تتحدث مصادر مطلعة عن إشكالية إضافية تتصل بالفصل بين المهام المالية والرقابية، إذ تقول إن عبد القادر الصغير يتولى مهام مرتبطة بالصرف المالي، فيما تتولى شركته التدقيق، بعلم رئيس الهيئة القاضي محمد المكاوي وتغطيته. وترى المصادر أن الجمع بين الإنفاق ومراجعته يثير أسئلة جدية عن استقلالية الرقابة وفاعليتها، ويستوجب توضيحاً موثّقاً لطبيعة الصلاحيات والجهات التي تتولى التدقيق. كما تتحدث عن اجتماعات غير معلنة لمعالجة تداعيات الملف، وتطالب بأن تُترجم أي معالجة إلى تسليم المستندات وإتاحة فحصها. فالقرار الصادر يتعلّق بإلزام الهيئة بكشف المعلومات، ولا يتضمن حكماً بثبوت اختلاس أو فساد مالي. لكنّه يضع أمامها موجباً واضحاً: تقديم الحسابات والقيود والفواتير المطلوبة، بما يتيح التحقق من كيفية إدارة الأموال، بعيداً عن الإجابات العامة التي اعتبرتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد غير كافية.