يحمل البنزين في إيران كلفة سياسية وأمنية تفوق بكثير كلفته الاقتصادية. فقد أشعلت زيادة أسعاره في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 احتجاجات واسعة، سقط فيها أكثر من 1500 قتيل، ولا تزال ذكراها حاضرة في حسابات الحكومة والمجتمع. واليوم، يعود البنزين إلى صدارة الحياة اليومية للإيرانيين، كما يتضح من الطوابير الطويلة أمام محطات التعبئة. ومع اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، تجد الحكومة نفسها بين خفض الحصص ورفع الأسعار، في قرار قد يؤدي سوء إدارته إلى إشعال أزمة جديدة. ومن أجل فهم المشكلة ورسم صورة واضحة عنها، لا بد من النظر إلى الأرقام الفعلية التي تفسر حجم العجز، وكلفة الدعم، وأسباب عجز الحكومة حتى الآن عن اتخاذ قرار واضح وحازم. شرطة مكافحة الشغب تحاول تفريق محتجين على طريق سريع في طهران خلال تظاهرة ضد رفع أسعار البنزين في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. (رويترز) تبلغ طاقة إنتاج البنزين في المصافي ومصانع البتروكيماويات الإيرانية 130 مليون لتر يومياً، وقد انخفضت إلى 120 مليون لتر بسبب الحرب المفروضة على إيران، التي استمرت 40 يوماً مع أميركا وإسرائيل. ويجري العمل في الأسابيع الأخيرة على العودة إلى الطاقة السابقة. وتعادل الكلفة النهائية للبنزين المنتج في مصانع البتروكيماويات كلفة البنزين المستورد. أما الاستهلاك، فقد تجاوز في المتوسط 132 مليون لتر يومياً، ووصل في بعض الأيام إلى أكثر من 140 مليون لتر. وتؤدي كثرة العطل والرحلات المتكررة، ولا سيما إلى المناطق الشمالية، دوراً كبيراً في هذا الارتفاع. ودفع هذا الوضع إيران، في ظل الظروف الطارئة، إلى وقف تصدير البنزين الذي كان يدرّ نحو 3 مليارات دولار سنوياً، وإنفاق 6 مليارات دولار لاستيراد الكميات الناقصة. ويواجه الاستيراد حالياً صعوبات جدية بسبب الحرب والحصار البحري. وتصبح ندرة البنزين أكثر وضوحاً عند النظر إلى التهريب الناجم عن انخفاض سعره بشدة في إيران، إذ يُهرَّب يومياً ما بين مليونين و3 ملايين لتر من البنزين إلى خارج البلاد. وقد غدا هذا النشاط من أكثر المهن ربحاً في المناطق الحدودية، بقيمة يومية تقارب مليوني دولار تدخل عائداتها الدورة الاقتصادية على هيئة أموال قذرة، وتنعكس في ارتفاع أسعار المنازل والسيارات الفاخرة. ووفقاً لنائب رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشورى الإسلامي فرهاد شهركي، واستناداً إلى إحصاءات مقر مكافحة تهريب السلع والعملة، يُهرّب يومياً ما لا يقل عن 20 مليون لتر من الوقود من البلاد، منها 90 في المئة من الديزل و10 في المئة من البنزين. سيارات تصطف في طابور للتزود بالوقود أمام محطة بنزين في طهران في 25 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب) يُباع بنزين الحصص في إيران حالياً بسعر 1500 تومان (نحو 0.0075 دولار)، والبنزين الحر بسعري 3000 تومان (نحو 0.015 دولار) و5000 تومان (نحو 0.025 دولار)، بكمية تقارب 100 لتر شهرياً لكل إيراني. وتبلغ بذلك الكلفة النهائية لـ100 لتر من البنزين لكل مواطن نحو دولارين شهرياً. وهذا يعني أن سعر اللتر الواحد في كثير من الدول المجاورة يبلغ عشرات أضعاف سعره في إيران. فالبنزين في تركيا أغلى بـ50 ضعفاً مما هو في إيران، وفي الكويت، وهي من أرخص الدول في تسعير البنزين، أغلى بـ48 ضعفاً. وعلى هذا الأساس، تدفع الحكومة الإيرانية عن كل لتر من بنزين الحصص دعماً خفياً يتجاوز 100 ألف تومان أي نحو نصف دولار. ومع مستوى الاستهلاك اليومي في إيران، تتجاوز قيمة الدعم الخفي للبنزين 13 ألف مليار تومان يومياً، أي ما يعادل 65 مليون دولار. ويشكّل هذا الإنفاق أحد أكبر الأعباء الخفية على الاقتصاد الإيراني، وظل دائماً في صلب النقاشات المتعلقة بإصلاح هيكل الموازنة ونظام الدعم. وقد وضعت السياسات الشعبوية السائدة في إيران، ولا سيما خلال الأعوام الـ20 الماضية، وعدم رفع أسعار البنزين تدريجياً بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على التحمل، السياسيين أمام قرار شديد الصعوبة. تكشف أرقام الإنتاج والاستهلاك والأسعار والتهريب أن إيران أمام خيارين، رفع طاقة الإنتاج لتغطية العجز اليومي البالغ 12 مليون لتر، أو خفض الاستهلاك. ووفقاً لكبار مسؤولي وزارة النفط، تتطلب زيادة طاقة التكرير بنحو 200 ألف برميل يومياً استثماراً لا يقل عن 6 مليارات دولار ومدة لا تقل عن 6 سنوات، أي استثماراً يصل إلى 36 مليار دولار. وتبدو هذه الخطوة شبه مستحيلة في ظل واقع السياسة الخارجية الراهن، والحرب ووقف إطلاق النار والحصار والعقوبات. لذا تبقى إدارة الاستهلاك الخيار الوحيد أمام الحكومة. ولا بد، لإدارة الاستهلاك، من النظر إلى الإحصاءات. فمتوسط استهلاك الفرد من البنزين في إيران يبلغ 4 لترات يومياً، أي أكثر بلتر واحد من المتوسط العالمي. ومع ذلك، يستهلك 75 في المئة من الإيرانيين بمعدل يوازي المتوسط العالمي أو يقل عنه، فيما يتجاوز استهلاك 25 في