نشر الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية أمين معلوف كتاب «قرن تحوّلنا»، وهو مقالة فكرية تنطوي على تحذير حاد من التحولات الجيوسياسية والاجتماعية التي يُحدثها الذكاء الاصطناعي. ويؤكد معلوف أن ما يجري اليوم يضع على المحك، بكل بساطة، "مكانتنا في الكون خلال هذا القرن". في ما يلي مقتطفات حصرية من الكتاب، اختارها وقدّمها مارتان برنييه: لن نتمكن من منع هذا التحوّل، ولا حتى من إبطاء وتيرته، لكن لا يزال في وسعنا توجيهه نحو تحقيق أحلامنا بدلاً من كوابيسنا. وأنا أتحدث هنا عن التحوّل الذي أطلقته الإنجازات المذهلة في العلوم والتكنولوجيا، والذي يعيد النظر، على نحو عميق ولا رجعة فيه، في مستقبل الجنس البشري. لا يتعلق الأمر بمجرد تسارع وتيرة التقدم، وهي ظاهرة نعاينها منذ زمن طويل وأُجريت حولها دراسات مستفيضة. فما يحدث اليوم مختلف في طبيعته، ومن الضروري، بل الحيوي، أن ندرك أبعاده ونتأمل في عواقبه. وأقول ذلك وأنا أزن كلماتي بعناية: إن مكانتنا في الكون هي ما يُحسم في هذا القرن، وربما لا تزال أمامنا بضع سنوات نستطيع خلالها التأثير في مسار الأحداث، بدلاً من الاكتفاء بالخضوع لها. عشية الحرب العالمية الثانية، جمعت الحكومة البريطانية في قصر بليتشلي بارك، الواقع على بعد نحو ثمانين كيلومتراً من لندن، مجموعة غير متجانسة ضمت لغويين ورياضيين وضباط استخبارات، إلى جانب بارعين في الكلمات المتقاطعة ولعبة الشطرنج. وكانت مهمتهم فك الشيفرات السرية التي يستخدمها العدو، ولا سيما تلك التي تنتجها آلة «إنيغما» (Enigma). (...) وقد حققوا نجاحاً لافتاً، يعود الفضل في جزء منه إلى «الآلات الذكية» التي صُنعت لهذه الغاية. (...) أصبح آلان تورينغ، من جوانب عدة، إحدى الشخصيات التي تجسّد روح عصرنا. فقد أسهم إسهاماً كبيراً في النجاحات التي تحققت في بليتشلي بارك. (...) وفي مقالته المعنونة «آلات الحوسبة والذكاء»، التي نُشرت في تشرين الأول/أكتوبر 1950، تساءل تورينغ عن النهج الذي ينبغي اتباعه لجعل الآلات قادرة على منافسة الذكاء البشري: هل الأفضل البدء بلعبة الشطرنج، أم الانتقال مباشرة إلى نهج يعامل الآلة كما لو كانت طفلاً؟ وبالنظر إلى المسار الذي سلكه الذكاء الاصطناعي منذ نشأته، يبدو هذا الخيار الذي طرحه تورينغ أشبه بخلاصة مكثفة لتطوّره. فقد اعتاد المصممون الأوائل التعامل مع آلاتهم باعتبارها آلات حاسبة ضخمة لا أكثر. لكن هذا النهج أظهر حدوده، وانتهى الأمر بإحباط الباحثين والمستثمرين. عندها بدأ الاهتمام بالمسار الآخر، القائم على التعامل مع الآلة كما لو كانت طفلاً. (...) وكان الباحث البريطاني الكندي جيفري هينتون أحد أبرز المساهمين في هذا التقدم، حتى إنه لُقّب أحياناً بـ«عرّاب الذكاء الاصطناعي». (...) وفي عام 2024، نال هينتون جائزة نوبل في الفيزياء، مع أنه ليس فيزيائياً على الإطلاق، بل متخصص في علم النفس المعرفي. وأشير إلى هذه المفارقة لأنها تكشف حجم التحوّل الاستثنائي الذي نشهده أمام أعيننا. يوضح هينتون، في محاضراته العامة وكتاباته، أن صعود الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين يعود إلى حدس تورينغ العبقري، حين اقترح التعامل مع الحاسوب كما لو كان دماغ طفل. وقد أدخل هذا النهج الذكاء الاصطناعي إلى ما يسميه هينتون «العصر البيولوجي». وهو تطور ينطوي على نبوءة سبق أن طرحها تورينغ، من دون أن نتخيل حتى الآن كامل تبعاتها: كل ما يستطيع دماغنا القيام به، يمكننا تعليم الآلة أداءه على نحو أفضل منا. ويبدأ ذلك بأرقى الأنشطة وأكثرها تمييزاً للجنس البشري: استخدام اللغة والتعامل معها. إن مصطلح «التحوّل»، الوارد في عنوان هذا الكتاب، ليس مجرد تعبير مبالغ فيه لوصف التغيّرات الجارية، كما يحدث في كثير من الأحيان. فأنا أقصده بمعناه الأعمق، على غرار استخدامه في علم الحشرات لوصف تحوّل اليرقة إلى فراشة؛ أي تغيّر لا رجعة فيه، يطال الشكل والبنية ويعيد النظر في طبيعة الكائن الذي يخضع له. ومن وجهة نظري، قد يشهد جنسنا البشري تحوّلاً من هذا النوع خلال القرن الحادي والعشرين. ولن نخرج منه من دون أن يمسّنا أثره. فقد نُبعث في هيئة جديدة، أو نفنى؛ وقد نصبح سادة الكون، أو لا نغدو سوى هامش بائس في مجرى الزمن. لا شيء محسوم، ولا شيء مستبعد، فكل شيء سيتقرر خلال السنوات والعقود المقبلة. فنحن أمام مسارين كبيرين من التطور، تدفعهما الإنجازات العلمية نفسها، وينطوي كل منهما على تحوّلات هائلة لا سابقة لها في التاريخ. وهما مساران متوازيان قد يبدوان متناقضين، إذ يمكن أن يقودا البشرية إلى ذروة مجدها أو إلى فنائها. وليس الأمر هنا مجرد استعارات. فإذا نجح العلم، خلال العقود المقبلة، في السيطرة على عملية شيخوخة أنسجتنا وأعضائنا، فسيكون قادراً على إطالة عمر الإنسان بصورة ملموسة، وربما إلى أجل غير محدود في نهاية المطاف. لكن إذا نجح ا