سيصل خليفة أنطونيو غوتيريش إلى قيادة الأمم المتحدة بموافقة قوىً كبرى قد يحتاج في اليوم التالي إلى مواجهة سياساتها. تلك هي المفارقة التي تحكم معركة الخلافة، كيف يدافع الأمين العام عن القانون الدولي، بينما تملك الدول القادرة على تعطيله مفاتيح اختياره وجزءا أساسيا من تمويل مؤسسته؟ مع انتهاء ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، بعد عشر سنوات في المنصب، تتجاوز المنافسة هوية القائد المقبل. فبعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، تواجه المنظمة اختباراً لوظيفتها، هل تستطيع التأثير في مسار الأزمات، أم تنحصر مهمتها في توثيق الانتهاكات وإغاثة ضحاياها؟ حتى أواخر سبتمبر/ أيلول، بقي السباق مفتوحاً. وأعاد انسحاب الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه ترتيب المنافسة، فيما أفادت المعلومات بتقدم الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان في الجولة الثالثة من الاقتراع الاستطلاعي. لكن التقدم في هذه الجولات لا يضمن الوصول إلى المنصب، الذي تبدأ ولايته الجديدة مطلع 2027. ويُراعى في اختيار الأمين العام عرف المداورة بين المجموعات الجغرافية، وتطالب أميركا اللاتينية والكاريبي بالمنصب باعتبار أن دورها قد حان. لكن المداورة ليست قاعدة قانونية ملزمة تضمن للمنطقة الفوز. وتبرز إلى جانب غرينسبان أسماء الإكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا، والغويانية كارولين رودريغز بيركيت، والأرجنتيني رافائيل غروسي، وسط مطالب باختيار أول امرأة لقيادة المنظمة. وراء الأسماء، يبرز سؤال عن الخبرة التي تحتاجها المنظمة، إدارة التنمية والموارد، أم الوساطة بين الخصوم، أم التفاوض في الملفات الأمنية الحساسة؟ وهي وظائف متداخلة، سيطلب من القيادة المقبلة الجمع بينها وسط تقلص الإمكانات وتصاعد الضغوط. لكن بوابة الوصول تبقى مجلس الأمن، الذي يوصي بمرشح تتولى الجمعية العامة تعيينه. ويحتاج المرشح إلى تسعة أصوات على الأقل، من دون فيتو من أي دولة دائمة العضوية. وهكذا تبدأ معركة الاستقلالية قبل تولي المنصب، المطلوب إقناع القوى الكبرى بقبوله، ثم الحفاظ على القدرة على مخالفتها حين تتعارض مصالحها مع الميثاق. سيرث الأمين العام المقبل أزمة مالية تمسّ قدرة المنظمة على العمل. ففي كانون الثاني/ يناير، حذّر غوتيريش من انهيار مالي وشيك، بعدما بلغت الاشتراكات غير المسددة للميزانية العادية نحو 1.57 مليار دولار بنهاية 2025. وتكشف هذه الفجوة تناقضاً أساسياً: الدول تقرر المهام لكنها لا تضمن دائما الموارد اللازمة لتنفيذها. ومع ذلك، لا يصحّ تقديم الإفلاس بوصفه مصيراً محسوماً. فقد خففت تعديلات قواعد إعادة الأموال غير المنفقة إلى الدول المتأخرة عن السداد، الضغط على السيولة. وفي تموز/يوليو الماضي، أعلنت قيادة المنظمة أنها لا تتوقع تخفيضات إضافية في ميزانية 2027، مع استمرار أزمة المستحقات. وتتجاوز الضغوط موازنة الأمانة العامة إلى وكالات الإغاثة والتنمية، التي يعتمد كثير من أنشطتها على مساهمات طوعية. وتقدر مبادرة الأمم المتحدة، 80 انكماش موارد المنظومة بنحو الربع بين 2024 و2026. لذلك، سيختبر الإصلاح بقدرته على تقليص التداخل والهدر، وحماية الوظائف التي لا يحتمل المستفيدون منها مزيداً من التخفيض. فالمنظمة التي تستجيب لشروط الممولين بتقليص حضورها الميداني، قد تحسّن حساباتها وتخسر مبرر وجودها لدى المتضررين. والمعركة هنا سياسية أيضاً، تأمين تمويل أكثر استقراراً، يمنع تحول كل خلاف مع دولة مؤثرة إلى تهديد لقدرة المؤسسة على أداء مهامها. غزة وأوكرانيا والسودان.. امتحان المصداقية تكشف الحروب حدود السلطة الأممية بصورة أشد قسوة من بيانات الموازنات. ففي غزة، استخدم غوتيريش المادة 99 لتنبيه مجلس الأمن إلى الخطر، لكن الولايات المتحدة أسقطت مشروع قرار لوقف إطلاق النار في كانون الأول/ ديسمبر 2023. وفي أوكرانيا، تشارك روسيا في الحرب وتملك الفيتو، واستخدمته أيضاً ضد مشروع قرار بشأن السودان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ولا يملك خليفة غوتيريش إصلاح مجلس الأمن بإرادته، فتعديل الميثاق يتطلب تصديق ثلثي الدول الأعضاء، بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية. لكنه يستطيع توسيع المبادرة عبر الوساطة المبكرة، وبناء تحالفات مع الدول الصغيرة والمتوسطة، والدفاع المتسق عن المدنيين، بدلاً من ترك تعريف الممكن للعواصم الأقوى وحدها. ومع ذلك، لا تختزل الأمم المتحدة في مجلس أمن يعطله الفيتو. فخلف إخفاقاتها السياسية، تستمر وظائف الإغاثة والصحة وحماية اللاجئين، التي لا تملك دول كثيرة بديلاً عنها. والتحدي أمام القيادة المقبلة هو الحفاظ على هذه القدرة، واستعادة دور سياسي يحد من إنتاج المآسي التي تستدعى المنظمة لمعالجة آثارها. سيكون اختيار أول امرأة، إن حدث، تحولاً تاريخياً، لكنه لن يزيل القيود البنيوية. والاختبار الحقيقي لأي فائز هو تحويل قبول الكبار به إلى مس