تعيش مدينة الشمس بعلبك، ومعها محافظة بعلبك - الهرمل، واقعًا أمنيًا واجتماعيًا خاصًا، لا يشبه أي مدينة أو منطقة لبنانية أخرى. فالدولة حاضرة في الشكل: حواجز ثابتة ومتنقلة، مقار وثكنات لمختلف الأجهزة الأمنية، دوريات ومداهمات ومسيّرات عند الحاجة. لكن رغم الحضور العسكري، يبقى الشعور بالأمن غائباً بدرجة كبيرة. الحوادث الأمنية في المنطقة شبه يومية، متنوعة ومتفرقة، من المواجهة مع القوى الأمنية، إلى الحوادث الفردية وعمليات الثأر العشائرية، إلى السرقة والتشليح، والخطف لطلب الفدية، وليس آخرها منذ أسابيع قليلة، عملية خطف طالت جنديًا في الجيش على طريق يونين – شعث. ما هو أقسى من الغياب الأمني، وأصعب من الفوضى، هو نمط التعايش مع السلاح والتباهي به، لدرجة أنه بات يُشكل أحد عناصر الهوية الفردية والمجتمعية، له رمزيته وقداسته وهالته، وله مهماته الدينية والدنيوية. وعليه لم يعد السلاح محصورًا بالعمليات الأمنية أو الإشكالات، بل يظهر بشكلٍ كثيف في الأعراس، وفي الحفلات ونتائج المدارس، وحتى في حفلات "الطهور". ولم يعد "زينة الرجال" فقط، فقد بتنا نرى وفي مناسبات كثيرة، سيدات يطلقن الرصاص ويتباهين بقدرتهن على استعمال السلاح. هنا يصبح السؤال مُلِحًا: هل السلاح حماية للناس، أم هو تهديد مباشر لحياتهم وحياة أبنائهم؟ اعتاد كثيرون من أبناء المنطقة، وخاصةولا سيّما من هم في مواقع المسؤولية، الهروب عند أيّ مساءلة إلى الحديث عن "مؤامرة خبيثة" هدفها تشويه صورة المنطقة لأسباب سياسية وربما طائفية. يقول نائب رئيس بلدية بعلبك عبد الرحيم شلحة لـ"المدن" إن الصورة النمطية عن المدينة "باتت مرتبطة بالمخدرات والخروج على القانون والخطف مقابل الفدية والسرقة"، فيما يغيب عن هذه الصورة أنّ عشرات الآلاف من أبنائها "يطالبون بدولة حاضرة وقادرة، ليس فقط عبر المداهمات والاعتقالات ومذكرات التوقيف، بل عبر الإنماء ومشاريع الحياة وفرص العمل". ويرى شلحة أنه "لا يمكن فصل المشاكل الأمنية عن الواقع الاقتصادي، في ظل البطالة والفقر، وانعدام مشاريع التنمية من الزراعة إلى الصناعة والسياحة". وبحسب شلحة، فإن حضور الدولة أمنيًا وغيابها اقتصاديًا واجتماعيًا يضعها أمام الناس، وفي مواجهة معهم، ما يزيد الاحتقان، ولا يعالج أسباب المشكلة. ويختم شلحة بالقول إن "الغياب الاقتصادي للدولة، يتسبّب في الجريمة المنظمة ونشوء اقتصادٍ مواز غير شرعي، كالتهريب والمخدرات وغيرها". من جهتها، تؤكد مصادر عسكرية أن عناصر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية ينفذون القرارات التي تتخذها الحكومة، ويعملون ضمن صلاحياتهم، وفق ما تمليه عليهم القوانين في حفظ الأمن وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم. وتلفت أنه خلال الفترة الأخيرة، جرت عمليات أمنية نوعية وفاعلة، سواء لجهة توقيف مجرمين خطرين، أو في مكافحة المخدرات تصنيعًا وترويجًا، أو الحد من عمليات الخطف وفرض الخوّات (5 عمليات خلال الأسبوع الأول من هذا الشهر). وتؤكد المصادر ذاتها أن الملفات المعيشة الحياتية، والمشاريع الإنمائية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، هي شأن حكومي وسياسي وليست أعمالًا أمنية. مواطن بعلبكي آثر عدم ذكر اسمه، أطلق صرخة غضب على الواقع المزري الذي يعيشه الناس، خصوصاً على أبواب الشتاء. يقول بحسرة: كلما سألنا عن سوء حالنا يأتينا الجواب نفسه، الدولة هي السبب، ويسأل. "منطقتنا منذ الطائف حصتها عشرة نواب، وقوانا السياسية شريك أساسي في كل الحكومات، ولها حصتها الوازنة في القضاء والأمن والوزارات والنقابات. فمن هي الدولة إذن؟". ويتابع ساخرًا: "كيف حوّلت هذه الدولة الجنوب إلى جنة، طرقات وكهرباء، مدارس ومستشفيات إدارات ومؤسسات عامة، وظائف وفرص عمل، مشاريع وخدمات"، أما في محافظة بعلبك – الهرمل فيعودون إلى "موشّح الحرمان". ويرى أن هذه القوى السياسية تعمل على إعادة تدوير خطاب "الحرمان والإهمال" وتسعى جاهدة عند كل استحقاق سياسي أو انتخابي، إلى استثماره كمظلومية للتغطية على تقاعسها في تقديم الحلول. بين هاتين الحلقتين، تدور بعلبك تائهة ضائعة، دولة تحضر أمنيًا، لكنها مطالبة بحضور إنمائي فعّال في حياة الناس، وقوى سياسية تشكو غياب الدولة بينما هي شريك أساسي – وربما الأقوى – في كل مؤسساتها وإداراتها وتفاصيلها. منطق القوة العسكرية لا يصنع مدينة آمنة، والإنماء لا يُنتج في ظل دولة ضعيفة عاجزة عن تطبيق قانونها وحفظ مؤسساتها. لذلك على الدولة تأكيد حضورها، وفرض القانون على الجميع، وإطلاق برامج تنمية بشرية واقتصادية. عندها لا يبقى حضور الدولة مرتبطًا بالأمن والمداهمات بل بالفرص والخدمات.