يلتقي الكتّاب والناشرون بالقراء في معرض بيروت الدولي للكتاب، يلتقون أيضاً بذاكرة مدينة ارتبط اسمها طويلاً بالكتاب والنشر والحياة الفكرية العربية. وبين من يستعيد المعرض في سنواته الأولى، ومن يرى في دورته الحالية علامة على حيوية بيروت، ومن يأتي بكتاب يحمل أثر الحرب وأسئلتها، تتعدد الحكايات وتختلف زوايا النظر إلى المعرض، فيما يجمع أصحابها إيمانهم بأهمية أن يبقى الكتاب حاضراً في حياة المدينة. هذه السنة، حمل المعرض بالنسبة إلى عدد من ضيوفه معنى يتجاوز توقيع الكتب وعقد الندوات. فالحرب التي تطاول جنوب لبنان، والأزمات التي تمر بها البلاد، حضرتا في أحاديثهم، إلى جانب الذاكرة الشخصية، وتحولات النشر، والأسئلة التي تشغل الكتّاب في أعمالهم الجديدة. بدت بيروت في شهاداتهم مدينة تحاول الحفاظ على مكانتها الثقافية، وعلى صلتها بقرائها وبالعالم العربي. الصالة الزجاجية وأسئلة الحاضر يعود المؤرخ والكاتب صقر أبو فخر بذاكرته إلى ستينيات القرن الماضي، حين كان معرض بيروت للكتاب يقام في الصالة الزجاجية، في مساحة ضيقة تستوعب أعداداً كبيرة من دور النشر اللبنانية والعربية. يتذكر الإقبال اليومي على المعرض، والقراء الذين كانوا يغادرونه محمّلين بالكتب، لكنه يستعيد أيضاً ما كان يحيط بتلك الحركة من تنافس فكري وثقافي. يقول أبو فخر إنّ التيارات القومية والماركسية والإسلامية والليبرالية كانت تتنافس آنذاك عبر الكتب والأفكار والمجلات، وإن هذا التنافس كان ينتج مجادلات ثقافية يفتقدها اليوم. من جهته هو لا يرى أن القراءة نفسها تتراجع بالضرورة، بقدر ما يلاحظ تراجع القراءة الورقية، وانحسار المجال الصحافي الذي كان يتيح للأفكار أن تتنافس وتصل إلى جمهور واسع. ومن هنا، تمتد ذاكرة المعرض لديه إلى صورة بيروت التي كانت تضم عشرات الصحف والمجلات الأسبوعية، وتتيح للحياة الثقافية أن تتشكل عبر مؤسسات ومنابر متعددة. إنها ذاكرة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً عن المساحات المتاحة اليوم للنقاش الفكري، وعن قدرة الثقافة على إنتاج حوارات تتجاوز سجالات وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ينفصل هذا الاهتمام بالتاريخ عن عمل أبو فخر الحالي، فهو يحضر بكتاب عن الحرب الأهلية اللبنانية وصل إلى طبعته الثانية، وبحوار قديم مع جورج حبش تولّى تحقيقه وتقديمه والتعليق عليه. كما يعمل على كتاب يتناول مسألة الهوية اللبنانية، ويعيد النظر في ركائزها التقليدية، فيامتداد لانشغاله بالتاريخ وبكيفية تشكّل الأفكار والهويات. أما المؤرخ خالد زيادة، فيقرأ الدورة الحالية من زاوية مختلفة، تتصل بحيوية المعرض وقدرته على جمع الناشرين مجدداً. ويشير إلى أن الاتفاق بين اتحاد الناشرين والنادي الثقافي العربي، برعاية وزارة الثقافة، أتاح توسيع مساحة المعرض ومشاركة أكثر من 160 دار نشر، إلى جانب برنامج يضم عشرات الندوات خلال عشرة أيام. بالنسبة إلى زيادة، تحمل هذه المشاركة دلالة تتجاوز الأرقام، إذ يرى فيها مؤشراً إلى أن بيروت لم تفقد دورها الثقافي العربي، رغم ما تمر به من أزمات والعدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان. ويعتبر أن الإصرار على إقامة المعرض يعكس تمسك المجتمع اللبناني بحيويته، وأمله في استعادة عافيته الثقافية والتجارية وسائر وجوه الحياة العامة. ويأتي كتابه الجديد "عقد الستينيات الفريد" الصادر عن دار رياض نجيب الريّس، في سياق اهتمامه بالتاريخ والذاكرة. ففيه يمزج السيرة والمذكرات بالتاريخ السياسي، مستعيداً مرحلة شهدت تحولات واسعة في العالم، من الحركات الطلابية والثورة الثقافية إلى نكسة حزيران وماتركته من أثر في العالم العربي. من المغرب، يأتي الكاتب والروائي عبد الإله بن عرفه إلى المعرض حاملاً تقديراً خاصاً لمكانة بيروت في الحياة الثقافية العربية. وهو يشبّه المعرض بـ"المحرار الذي نقيس به صحة بدن هذا البلد"، معتبراً أن الإقبال عليه يمنح انطباعاً بالتعافي، وأن توحيد المعرض يعزز قدرته على استعادة دوره. يقول بن عرفه إن بيروت لا تكتب وتنشر لنفسها وحدها، هي تنشر للعالم العربي أيضاً ويرى في النشر إحدى أبرز صور قوتها الناعمة. وهذه العلاقة بالمدينة نشأت حين اختار دار الآداب لنشر كتبه، ويعود إلى بيروت بوصفها مساحة للقاء القراء والكتّاب، ولتجديد الصلة بتقاليد ثقافية مازالت حاضرة رغم الأزمات. لكن انشغاله لا يقتصر على دور بيروت. فبعد إنجاز مشروع روائي طويل، يتجه الروائي المغرب يإلى أسئلة تزييف الوعي واختطافه، وإلى ما يسميه "عصر الاستبدال" في إشارة إلى احتمال استبدال الإنسان بالآلة، وإلى الأسئلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على معنى العقل واللغة والوجود الإنساني. وبين مكانة الكتاب في المجتمع وتحولات التقنية، يفتح حديثه باباً علىتحديات تتجاوز حدود المعرض نفسه. ومن جهته، يرى الروائي التونسي الحبيب السالمي أن العلاقة بين لبنان والكتاب ظلت ثابتة