نشرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا مسودة قانون المنظمات غير الحكومية لمدة ثلاثة أيام فقط لإبداء الملاحظات عليها، رغم أن المسودة تمتد على نحو ثمانية وسبعين صفحة وتتناول مسائل قانونية وإدارية ومالية معقدة تمس مستقبل العمل المدني في سوريا. ومن الواضح أن هذه المهلة لا تكفي لإجراء حوار جدي حول مشروع بهذا الحجم والأهمية، وتقديم ملاحظات مدروسة بشأنه. فالتشاور الحقيقي حول التشريعات الأساسية لا يتحقق بمجرد نشر النص، وإنما من خلال إتاحة الوقت الكافي للنقاش العام والمراجعة القانونية المتخصصة. وبغض النظر عن ضيق المدة المخصّصة للتشاور، فقد تضمنت المسودة عدداً من المبادئ الإيجابية، كالاعتراف بحرية التنظيم واستقلال المنظمات غير الحكومية، وعدم جواز حلها إلا بحكم قضائي مبرم، وحظر التدخل الإداري في تشكيل هيئاتها الإدارية أو في تحديد برامجها وأنشطتها، إضافة إلى الإقرار بدورها في المساءلة المجتمعية والنقد البناء للأداء العام. إلا أن قراءة المسودة تكشف عن وجود فجوة بين النصوص التي تؤكد استقلال المنظمات وبين الأحكام التي تمنح الجهات الإدارية والفنية صلاحيات واسعة في التسجيل والتمويل والرقابة والتقييم. فحرية تأسيس المنظمات لا تكتمل إذا بقيت بعض إجراءاتها الأساسية خاضعة لموافقات متعددة أو إذا تركت أسباب الرفض والتقييد لتقديرات فضفاضة وغير منضبطة. ولذلك يفترض أن تكون جميع القرارات المقيدة للحق في التنظيم محددة على سبيل الحصر ومعللة تعليلاً قانونياً واضحاً وخاضعة لرقابة قضائية فعالة. والتعريفات الواردة في المسودة تحتاج لمزيد من الدقة لا سيما ما يتعلق بالتمييز بين المنظمة غير الحكومية بوصفها شخصاً اعتبارياً مستقلاً وبين المنظمة التي تمنح صفة النفع العام. فالجمع بين المفهومين قد يؤدي إلى ربط الحقوق الأساسية للمنظمات بتصنيفات إدارية، في حين أن الحق في التنظيم يجب أن يبقى مستقلاً عن أي امتياز أو تصنيف تمنحه الإدارة. ورغم أهمية النص على عدم جواز الحل القسري للمنظمات إلا بحكم قضائي مبرم، فإن فعالية هذه الضمانة تتوقف على مدى انسجام بقية الأحكام معها. فالحل قد يتحقق عملياً من خلال تعطيل النشاط أو تقييد الموارد أو فرض إجراءات تجعل المنظمة عاجزة عن أداء دورها. لذلك فإن الاستقلال الحقيقي لا يقتصر على الحفاظ على الشخصية الاعتبارية للمنظمة، بل يشمل قدرتها الفعلية على العمل وإدارة مواردها وبرامجها واختيار القائمين عليها بعيداً عن أي تدخل. وفي مجال الحوكمة والإدارة الداخلية، ضروري وضع قواعد تضمن النزاهة والشفافية ومنع تضارب المصالح وحماية أموال المنظمات، غير أن ذلك لا يبرر فرض نموذج إداري موحد على جميع المنظمات المدنية مهما اختلفت أحجامها وطبيعة أنشطتها وأهدافها. فالتنوع الذي يميز المجتمع المدني يقتضي الاكتفاء بوضع الضمانات العامة وترك التفاصيل التنظيمية للأنظمة الأساسية التي تعتمدها المنظمات بنفسها. الأحكام المتعلقة بالمبادرات والفرق التطوعية تحتاج إلى قدر أكبر من المرونة. فهذه المبادرات تقوم أساساً على الجهد الأهلي والموارد المحدودة، وأي أعباء إدارية غير متناسبة قد تؤدي إلى إضعاف المشاركة المجتمعية بدلاً من تعزيزها. كذلك ينبغي توفير حماية قانونية واضحة لبيانات المتطوعين والمستفيدين بما يضمن احترام الخصوصية ومنع الوصول إلى تلك البيانات أو استخدامها خارج الأغراض التي يجيزها القانون. ومن الطبيعي إخضاع الالتزام بالقانون والإنفاق المالي للمساءلة والتدقيق، لكن الرقابة المشروعة تختلف عن الوصاية الإدارية. ولذلك يجب أن تكون صلاحيات التفتيش والوصول إلى السجلات والبيانات محددة بوضوح ومقيدة بمبدأي الضرورة والتناسب، وأن تخضع أي إجراءات استثنائية للرقابة القضائية. وتبرز الإشكالية الأهم في المسودة بنظام الاعتمادية واللجنة المنبثقة عنه. فهذه اللجنة يغلب على تشكيلها التمثيل الإداري والفني المرتبط بالوزارة مقابل تمثيل محدود للمنظمات غير الحكومية، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول استقلالية القرار داخلها، نظراً لما تملكه من صلاحيات تشمل وضع قواعد الاعتمادية ومعاييرها، واقتراح اعتماد مراكز الاعتمادية أو سحب اعتمادها، وتحديد الرسوم المتعلقة بها، والنظر في التظلمات الناشئة عن قراراتها وتوقيف الاعتمادية أو إعادة النظر فيها عند وجود مخالفات. وبذلك تجتمع ضمن منظومة إدارية واحدة صلاحيات وضع المعايير وتطبيقها ومراقبة الالتزام بها والنظر في الاعتراضات المرتبطة بها، ما قد يثير مخاوف تتعلق بالحياد وتضارب المصالح وضمانات الاستقلال. إن الاعتراض على نظام الاعتمادية لا يعني رفض مبادئ الشفافية أو الحوكمة أو المساءلة، بل رفض ربط الحقوق والفرص الأساسية للمنظمات بنظام تصنيفي إداري. فهذه الأهداف يمكن تحقيقها بصورة أكثر اتساقاً مع حرية التنظيم من خلال قواعد مباشرة وواضحة للإفصاح ا