كم من حياةٍ واريتُها في داخلي،ثمّ مضيتُ في جنازتها،كأنّني لم أكن القاتلَ والقتيل. أرثي امرأةً لم تولد،لكنّني أشعر أنّني خذلتُها.امرأةً كانت تنتظرنيفي جهةٍ أخرى من العمر،حيث لم أخف،ولم أتنازل عن نفسيكي لا أخسر الآخرين. ربّما كانت تشبهني في ملامحها،لكنّها كانت أكثر حرّيّة.ربّما كانت تحبّ دون أن ترتجف،وتحلم دون أن تعتذر،وتقول "لا" دون أن تقضي ليلتهاتسأل نفسها إن كانت قد أصبحت شخصاً سيّئاً. لا أعرف أين انتهت،ولا في أيّ لحظةٍتوقّفتُ عن أن أكونها. كلّ ما أعرفهأنّني كلّما اخترتُ طريقاً،أغلقتُ خلفي طرقًا أخرى،ومضيتُ دون أن ألتفت. كنتُ أظنّ أنّ الحياةتمنحنا ما نختاره،ولم أفهم أنّها، مع كلّ اختيار،تأخذ منّا أيضاًما لن نكونه أبدًا. والآن،لا أبكي ما حدث،بل ما لم يحدث:الرسائل التي لم أرسلها،والأبواب التي لم أطرقها،والنسخة منّيالتي ربّما كانت ستعرفكيف تكون سعيدةدون أن تشعر بالذنب. ما أقسى أن ينجو الإنسانمن كلّ ما كاد أن يكسره،ثمّ يكتشف أنّ النجاة نفسهاقد غيّرته إلى الأبد. أن يصل إلى المكان الذي أراده،لكنّه لا يعود الشخصالذي حلم بالوصول. أن ينظر إلى المرآة،فيعرف وجهه،ولا يتعرّف إلى كلّ ما اضطرّإلى أن يصير إليه كي يبقى. وأتساءل أحياناً:هل نحن حقًّا من نختار حياتنا،أم أنّنا نختارمن بين خساراتٍ لا نعرف أسماءها؟ وهل يمكن للمرءأن يشتاق إلى حياةٍ لم يعشها،وإلى شخصٍ لم يصبحه،وإلى نفسهقبل أن تعلّمها الحياةكيف تتخلّى عمّا تحبّوتسمّي ذلك نضجاً؟ لعلّ أكثر ما يُفجع في العمرأنّنا لا ندفن أحلامنا دفعةً واحدة،بل نفقدها بالتقسيط:في تنازلٍ صغير،وفي خوفٍ عابر،وفي مرّةٍ نقنع فيها أنفسنابأنّ ما نريده ليس ضرورياً. حتّى يأتي يومٌلا نتذكّر فيه متى بدأنا نفقد أنفسنا،ولا كيف صار الغريب في المرآةهو الشخص الذي ينادينا الجميع باسمه. ومع ذلك،لا أريد أن أكره المرأة التي أصبحتُها،ولا أن ألوم تلك التي لم أستطع أن أكونها. فلعلّ كلتيهما كانت تحاول النجاة،ولعلّ أيًّا منهما لم تكن تعرفأنّ بعض الأبواب لا تُغلق خلفنا،بل تبقى مفتوحةً في أرواحنا،فنقضي العمر نتساءلعمّا كان ينتظرنا وراءها. لذلك،لا أحزن لأنّني لم أعش ألف حياة،بل لأنّني سأموت يوماًدون أن أعرفأيُّ امرأةٍ منّيكانت تستحقّ أن تعيش.