تهريب الأموال من طهران إلى حزب الله عبر وسائل غير شرعية وخارج القنوات الرسمية لا يمكن تسميته «دعماً». هذا التفاف مباشر على الدولة، وعلى قوانينها، وعلى النظام المالي اللبناني والدولي. كل تحويل يمر خارج المؤسسات، وكل حقيبة نقد تُنقل بعيداً عن الرقابة، وكل معبر يُستغل لإدخال الأموال، يعني ببساطة أن هناك من يتصرف وكأن للدولة حدوداً شكلية ومؤسسات يمكن تجاوزها متى شاء. المسألة أخطر من مجرد خرق مالي. نحن أمام اقتصاد موازٍ يُبنى إلى جانب اقتصاد الدولة، ويمتلك قنواته وأمواله وشبكاته، ويعمل خارج الرقابة والمحاسبة. هذا الاقتصاد لا يحمي اللبنانيين ولا يخفف عنهم أزماتهم، بل يخدم تنظيماً مسلحاً على حساب بلد بأكمله، فيما تُدفع الكلفة من سمعة لبنان المالية، ومن قطاعه المصرفي، ومن قدرة اللبنانيين أنفسهم على التعامل مع العالم. لبنان موجود أصلاً على اللائحة الرمادية، وهذا وحده كان يجب أن يكون إنذاراً كافياً. أما استمرار تهريب الأموال وإدخالها خارج النظام الرسمي، فهو دفع متعمد بالبلد نحو مرحلة أخطر. الانتقال إلى اللائحة السوداء لن يكون خبراً مالياً عابراً، ولا مجرد تغيير في تصنيف دولي. سيكون ضربة مباشرة لما تبقى من الاقتصاد اللبناني: تحويلات أكثر صعوبة، رقابة أشد على الأموال، تكلفة أعلى على المعاملات، عراقيل أمام التجارة، وتراجع أكبر في استعداد المصارف والمؤسسات الدولية للتعامل مع لبنان. والأخطر أن الثمن لن يدفعه الحزب وحده. سيدفعه الموظف الذي ينتظر راتبه من الخارج، والتاجر الذي يحتاج إلى تحويل مصرفي، والمغترب الذي يرسل أموالاً إلى عائلته، والمستثمر الذي يفكر ألف مرة قبل أن يضع دولاراً واحداً في بلد تحيط الشبهات بنظامه المالي. لهذا، فإن استمرار أي تمويل غير شرعي مرتبط بإيران أو بأي جهة أخرى ليس شأناً حزبياً داخلياً. هو تهديد مباشر للمصلحة الوطنية اللبنانية. ومن هنا، فإن منع التهريب لا يمكن التعامل معه كملف أمني صغير أو حادثة عند معبر. هو معركة سيادة، ومعركة اقتصاد، ومعركة لحماية ما تبقى من علاقة لبنان بالنظام المالي الدولي. كل حقيبة أموال تُمنع من الدخول خارج القانون هي حماية للاقتصاد اللبناني. كل معبر يُقفل أمام شبكات التهريب هو استعادة لجزء من هيبة الدولة. وكل شبكة تمويل غير شرعية تُفكك هي خطوة تبعد لبنان عن مزيد من العزلة والعقوبات. الدولة مطالبة بالتحرك، لا بالمراقبة. عليها أن تضبط الحدود والمعابر فعلياً، وأن تشدد الرقابة على حركة الأموال، وأن تتعامل مع أي تهريب مالي كما تتعامل الدول مع أي تهديد مباشر لسيادتها وأمنها الاقتصادي. كما عليها أن تلتزم بشكل صارم بمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لأن المجتمع الدولي لا يميز في النهاية بين دولة عاجزة عن ضبط أراضيها ودولة تتسامح مع من يعمل خارج قوانينها. التردد هنا ليس حياداً. والسكوت ليس حكمة. وترك شبكات المال الموازي تعمل هو مشاركة غير مباشرة في تعريض لبنان لمزيد من العقوبات والعزلة. لا يجوز أن تبقى الدولة مسؤولة عن النتائج بينما يقرر غيرها كيف تدخل الأموال وكيف تتحرك وكيف تُستخدم. ولا يجوز أن يُطلب من اللبنانيين لاحقاً تحمل ثمن عقوبات سببها منظومة لم يختاروها ولم يوافقوا عليها. الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء يجب أن تكون لها الكلمة الأخيرة على الحدود وفي المعابر وفي حركة الأموال. لا حزب. لا شبكة مالية موازية. ولا جهة خارجية. فكما لا يمكن أن تكون هناك سيادة حقيقية مع سلاح خارج الدولة، لا يمكن أن تكون هناك سيادة مالية مع أموال وشبكات تعمل خارج رقابتها. حصر السلاح وحصر المال ليسا ملفين منفصلين. هما جوهر المعركة نفسها: هل الدولة هي المرجع، أم هناك من يملك سلطة موازية فوقها؟ وكل يوم تتأخر فيه الدولة عن إغلاق هذا الباب، تزداد المخاطر على الاقتصاد، وتزداد احتمالات أن يجد لبنان نفسه معزولاً أكثر فأكثر عن النظام المالي العالمي. المطلوب لم يعد بيانات ولا مواقف رمادية. المطلوب قرار سياسي واضح، وأوامر تنفيذية واضحة، ومحاسبة واضحة. لا أموال تدخل خارج الدولة. لا معابر تُستخدم للتهريب. لا شبكات مالية تتجاوز القوانين. ولا طرف، مهما كان اسمه أو حجمه أو ارتباطه الإقليمي، يملك الحق في تعريض بلد كامل للعقوبات من أجل تمويل مشروعه الخاص. لبنان لا يحتمل اقتصادين، ولا سلطتين، ولا نظامين ماليين. إما دولة واحدة تراقب أموالها وحدودها ومؤسساتها، وإما فوضى يدفع ثمنها كل اللبنانيين. والاختيار هنا لم يعد سياسياً فقط. إنه اختيار بين حماية البلد، أو تركه يقترب خطوة إضافية من العزلة والانهيار. تهريب الأموال من طهران إلى حزب الله عبر وسائل غير شرعية وخارج القنوات الرسمية لا يمكن تسميته «دعماً». هذا التفاف مباشر على الدولة، وعلى قوانينها، وعلى النظام المالي اللبناني والدولي. كل تحويل يمر خارج المؤسسات، وكل حقيبة نقد تُنقل ب