ليس ما يجري في دلبتا مجرد تغيير في وجهة استعمال عقار، ولا مشروعاً تجارياً عادياً يمكن اختزاله بعقد إيجار أو استثمار. ما يحصل هو اقتلاع متعمّد لهوية مكان حمل في حجارته تاريخاً دينياً وعسكرياً، وتحويله، بوقاحة لا توصف، إلى مسكن وورشة عمل ومساحة لعروض الأزياء. فدير راهبات الترابيست ليس مبنى فارغاً بلا ذاكرة. إنه موقع كنسي ارتبط بحياة رهبانية تأملية تقوم على الصلاة والصمت والتقشف والعمل، وينتمي إلى تقليد سيسترسي صارم يجعل من العزلة والبساطة جوهر رسالته الروحية. وهذه ليست هوية عابرة يمكن محوها ببعض أعمال الترميم والديكور، ولا واجهة معمارية قابلة لإعادة توضيبها وفق متطلبات مشروع خاص. والمكان نفسه يحمل صفحة أخرى من تاريخ دلبتا وكسروان، بعدما استُخدم في مرحلة سابقة كثكنة لما عُرف بـ”قوة الصدم”، إحدى وحدات النخبة في “القوات اللبنانية”. ومن يعرف رمزية هذه القوة يدرك أن الموقع لم يكن مجرد غرف وممرات، بل شكّل جزءاً من ذاكرة عسكرية عاشها مقاتلون ارتبطت أسماؤهم بمرحلة قاسية من تاريخ لبنان. لكن كل هذه الذاكرة، الدينية والعسكرية، وُضعت جانباً. فقد علم “ليبانون ديبايت” من مصادر أمنية وكنسية متقاطعة أن العمل جارٍ على تأهيل الموقع ليصبح مكان إقامة وورشة عمل ومساحة مخصصة لنشاطات وعروض أزياء للمصمم اللبناني العالمي إيلي صعب. ولا يدور الاعتراض هنا حول اسم إيلي صعب أو مكانته العالمية، ولا حول صناعة الأزياء في ذاتها. للرجل نجاحه ومؤسساته، ومن حقه أن يقيم مشاريعه في عشرات المواقع التجارية والسياحية والخاصة التي تليق بهذا النوع من النشاط. لكن ما لا يمكن قبوله هو اختيار دير، بما يحمله من قدسية ورسالة وذاكرة، وتحويله إلى خلفية فاخرة للأضواء والاستعراض والضيوف. إن الممتلكات الكنسية لا تُعامل كعقارات عادية، لأنها لم تُبنَ بأموال فرد، ولم تُخصص لخدمة مصالح شخصية. إنها أوقاف ومؤسسات وُجدت لخدمة رسالة دينية واجتماعية، ويحق للمؤمنين وللرأي العام أن يعرفوا من قرر تغيير وجهتها، وبأي صلاحية وتحت أي عنوان. ومن غير المقبول أيضاً التعامل مع الذاكرة العسكرية للموقع وكأنها تفصيل يمكن طمسه. فالمكان الذي كان يوماً مقراً لنخبة عسكرية لا يجوز أن يُمحى تاريخه بلا كلمة، ثم يُعاد افتتاحه تحت الأضواء وكأن شيئاً لم يكن. فهذه النخبة لم تكن مجموعة عابرة في تاريخ الحرب، بل قوة قاتلت، وفق العقيدة التي حملتها، دفاعاً عن لبنان الحر وعن الوجود المسيحي فيه، وقدّمت مقاتلين وشهداء في سبيل حماية الأرض والهوية. وبصرف النظر عن اختلاف اللبنانيين في قراءة تلك المرحلة، لا يمكن اختصار ذاكرة هؤلاء في مبنى يُنزع عنه تاريخه ليصبح خلفية لعرض أزياء. المسألة ليست صراعاً بين الدين والفن، ولا حملة على مصمم لبناني وصل اسمه إلى العالم. إنها قضية احترام للهوية والذاكرة والرمزية. فالفن لا يحتاج إلى انتزاع الأديرة من معناها، والنجاح لا يمنح صاحبه حق إعادة تشكيل الأماكن التاريخية وفق حاجاته الخاصة. ما يجري في دلبتا يتطلب جواباً واضحاً من المرجعيات الكنسية المعنية قبل أي جهة أخرى: من اتخذ القرار؟ وبأي حق يتحول الدير إلى مسكن وورشة ومنصة أزياء؟ وهل أصبحت الحاجة إلى الاستثمار مبرراً لخلع القدسية عن الأماكن وتسليمها إلى المشاريع الخاصة؟ إن الصمت عن هذه الواقعة لا يحمي الكنيسة، بل يحمّلها مسؤولية أكبر. فما يجري ليس تطويراً للمكان، بل إلغاء لهويته، وليس استثماراً بريئاً، بل تنازل مؤلم عن ذاكرة دينية ووطنية لا يملك أحد، مهما علا موقعه، حق التصرف بها وكأنها ملكية شخصية.