فادي بوراشد- أستاذ في كلّية اللاهوت – الجامعة الأنطونية يُحكى عن سفينةٍ تخاصم طاقمُها. وبعد عراكٍ طويل، تمزّقت أشرعتها، وانكسرت دفّتها، وضلّت طريقها، حتى ارتطمت بنتوءٍ صخريّ كبير، فتحطّمت وغرقت. فمات من مات، ونجا من نجا. غير أن الذين بلغوا الشاطئ لم يخرجوا كما دخلوه؛ فقد حملوا جروحاً صدّعت رؤيتهم للحياة واهتزّت معها ثقتهم بالعالم. إنها صورة تختزل واقعا أليما تعيشه مجتمعات كثيرة، حين تتحوّل الخلافات إلى انقسامات، والانقسامات إلى صراعات تقوّض أسُس العيش والسلام. أوليس لكل مجتمع بشري سفينتُه وصراعاتُه؟ وإذا انقسم البيت على نفسه، فكيف يثبت؟ (مرقس 3: 25). وكثيراً ما يخيّم على حياةِ الناس ذلك الشعور الذي عبّر عنه النبي أشعيا بقوله: "انكسرت الأرض انكساراً... وتزعزعت الأرض تزعزعاً" (24 :19).ولا يغفل الكتاب المقدّس عن جذور الشّر المتمكّن في قلوب البشر: "من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا، من شهواتكم المحاربة في أعضائكم؟" (يعقوب 4: 1). فالانشقاق والخصام ثمرة سلوكٍ يخنق آفاق الروح ويسمّم النفوس والمجتمع على حدّ سواء: فالحسد ينخر العظام (أمثال 14: 30) والغيرة أشدّ من السخطِ (27: 4)، والغضب يثير الخصومة (15: 18)؛ وما ينبع من باطن القلب لا يبقى حبيس حياة الفرد، بل يمتدّ إلى العلاقات الإنسانية فيفسدها ويُهدّد تماسكها. ألم يقل المسيح نفسه: "وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذلك ينجّس الإنسان. فمن القلب تخرج الأفكار الشريرة" (متى 15: 18-19)؟ ويعبّر الرسول يعقوب عن هذا الترابط بدقة بقوله: "حيث الغيرة والخصام، هناك التشويش وكل أمر رديء" (3: 16)..في حديثه عن "العالم المكسور " (Le monde cassé) ، يتناول الفيلسوف الفرنسي غابريال مارسيل (1889–1973) عالماً يضيق فيه معنى الوجود حين يُختزل الإنسان في الوظائف التي يؤديها، وتُهمَّش حاجته إلى الحضور والمشاركة. ويظهر هذا الانكسار على وجه الخصوص في تصدّع الروابط الإنسانية، وفي مقدّمها الثقة والوفاء والمسؤولية والحضور المتبادل، بما يهدّد الحياة المشتركة بين الناس.ويزداد الأمر سوءاً في تلك البلدان التي تطول فيها الحروب والأزمات الداخلية، ويتحوّل العيش فيها إلى صراع يوميّ من أجل البقاء والنجاة. ومن المؤلم أن يُحرم الناس فرصة بناء حياة أكثر كرامة واستقراراً. ولا تقتصر آثار هذه الأزمات على الخسائر المادية والبشرية، إذ تخلّف ما يسمّيه عالم الاجتماع الأميركي كاي ثيودور إريكسون (1931-2025) "الصدمة الجماعية"، التي تطاول الأفراد وتمسّ النسيج الاجتماعي كلّه. وعندما تصيب الصدمة هذه الواقع الحياتي برمّته، قد يضعف الشعور بالأمن الاجتماعي وتتراجع الثقة بالمؤسسات المعنية بحماية الحقوق وصونها، ويتزعزع إيمان الناس بإمكان بناء حياة مشتركة خليقة بهم. ولا تقف آثار الصدمة عند ما تتركه في الذاكرة، بل تمتدّ إلى علاقة الإنسان بالمستقبل، فتضيق آفاقه ويثقل كاهله بالخوف وعدم اليقين. وما إن تتزعزع الثقة بالدولة والمسؤولين عنها، يتجاوز الشعور بالعجز حدود المشكلات اليومية ليطاول الشأن العام. ويغدو حلّ أبسط المشكلات أمراً بالغ الصعوبة. وإذا تضاءلت آمال الناس في إصلاح مجتمعاتهم، انكفأ كلّ منهم إلى البحث عن خلاصه الشخصي، فتتقدّم فكرة النجاة الفردية على المصير المشترك، ويتراجع الإيمان بالعيش معاً. وعندئذٍ يفقد الشأن العام معناه، ويصبح مجالاً للريبة والعجز. ومع بلوغ هذا التقهقر مداه، تضعف روابط الانتماء، وتسيطر روح اللامبالاة وعدم المسؤولية، ويغدو الوطن مجرّد حيّز للإقامة، أشبه بمضافة عابرة. وليس من السهل أن يعيش الإنسان وسط حطامٍ اجتماعي وسياسي، أو أن يرسم لحياته أفقاً واضحاً مع تراكم خيبات الأمل وتقلّص إمكانات التغيير. ولا عجب أن يجد الإنسان صدىً ليأسه في كلمات سفر حزقيال: "يبست عظامنا، وانقطع رجاؤنا" (حزقيال 11: 37).صحيح أن مسار التاريخ ثقيل، ويصعب الإفلات من وطأته، غير أن الإيمان بقدرة الله على العمل في الزمن يفتح بُعداً آخر: "فالذين يرجون الرب يُجدّدون قوّتهم" (أشعيا 40: 31). وعلى رغم كل شيء، يجب ألّا تترك للانهيار الكلمة الأخيرة، وإلا سيسقط الوجود في قبضة اليأس ووهدة الألم. ولعلّ ما قاله الطبيب والمفكّر النمسوي فيكتور فرانكل (1905–1997) يضيء هذا المعنى، إذ يرى أن الإنسان، حتى بعد أن تُسلب منه حريات كثيرة، يبقى قادراً على اختيار موقفه من الظروف التي يجد نفسه فيها. غير أن الرجاء المسيحي لا يقتصر على الصمود أمام الواقع المرير، بل يدفع الإنسان إلى العمل بمحبة، لأنّ "الرجاء لا يُخزي" (روما 5:5). لذلك لا يستطيع المسيحي أن ينظر إلى حطام المجتمع ويكتفي بالحزن عليه، أو أن يحوّل خيباته إلى ذرائع للانسحاب من الشأن العام. فحين يصبح الرجاء قوة وحياة، يتحوّل إلى مسؤولية حيال الذات والآخرين.المجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد بين عامَي 19