لا يقتصر إعلان حزب الله حزمة جديدة من التعويضات على معالجة الأعباء المالية التي يتحملها المتضررون من الحرب، بل يرتبط بحسابات سياسية واجتماعية تتصل بموقع الحزب داخل بيئته الحاضنة، وقدرته على المحافظة على شبكة التمويل التي شكلت إحدى ركائز قوته طوال العقود الماضية. فقد أعلن رئيس المجلس التنفيذي في الحزب علي دعموش إطلاق مشروع "وعد والتزام"، الذي يخصص 14 ألف دولار للوحدة السكنية في بيروت والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار في بقية المناطق، تُصرف على أربع دفعات خلال سنة. ويأتي الإعلان بعد أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب الأخيرة، وفي وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، فيما تشدد واشنطن القيود على تمويل الحزب وتربط مساهمتها في إعادة إعمار لبنان بحصرية السلاح بيد الدولة. ولا يمكن فصل توقيت الإعلان عن هذه العوامل، خصوصاً أن الحزب يسعى إلى استعادة انتظام التعويضات بعد تأخير طويل، بالتزامن مع محاولة إظهار استمرار قدرته المالية رغم العقوبات. ويحمل الإعلان أيضاً رسالة سياسية إلى الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، مفادها أن الحزب لا يزال قادراً على تأمين التمويل وتوزيع التعويضات رغم العقوبات الأميركية والضغوط المتزايدة عليه. شكّلت القدرة المالية لحزب الله، إلى جانب مؤسساته الاجتماعية والصحية والتربوية، إحدى أبرز أوراق قوته في المحافظة على علاقته ببيئته الحاضنة. ولم تقتصر هذه المؤسسات على تقديم الخدمات، بل ساهمت في بناء شبكة واسعة من المصالح والارتباطات الاجتماعية، أتاحت للحزب المحافظة على قاعدة شعبية متماسكة رغم الأزمات والحروب المتعاقبة. وظهر ذلك بصورة خاصة بعد حرب تموز 2006، عندما سارع الحزب إلى دفع التعويضات وتأمين بدلات الإيواء، مستفيداً من التمويل الإيراني وقدرته على التحرك خارج الآليات الإدارية للدولة، في ظل ظروف إقليمية وسياسية ومالية كانت أكثر ملاءمة من الظروف الحالية. وأصبحت سرعة التعويضات جزءاً من صورته داخل بيئته، وعاملاً في تعزيز الثقة بقدرته على تحمّل النتائج الاجتماعية لخياراته العسكرية. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعد حرب 2024، مع تعثر دفعات الإيواء وتأخير المستحقات، قبل أن تؤدي حرب آذار 2026 إلى مضاعفة الأعباء. فقد تراكمت الخسائر، وتراجع انتظام المساعدات، فيما استمرت حالة النزوح وتعذرت العودة إلى مناطق واسعة نتيجة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتواصلة. وهذا التغيير يحمل تداعيات سياسية على الحزب. فالتمويل الذي كان إحدى أدوات تثبيت علاقته بقاعدته الشعبية، قد يتحول تراجعه إلى عامل يضعف هذه العلاقة. ومع استمرار النزوح والأزمة المعيشية، بدأ التململ داخل البيئة الحاضنة يفرض ضغوطاً إضافية، بعدما باتت العائلات المتضررة تواجه أعباء مالية لا تستطيع تحملها لفترات طويلة. ولا يعني هذا التململ بالضرورة تخلي البيئة عن خيارات الحزب السياسية، لكن استمرار تراجع الخدمات والتعويضات يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تآكل الثقة، وربما خسارة الحزب شرائح إضافية من قاعدته الشعبية. ومن هنا، يمكن قراءة التمويل الجديد، كاستجابة لحاجة سياسية لاحتواء هذا التراجع، و كوفاء بالتزامات اجتماعية تأخرت أشهراً. في السابع من تشرين الأول، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين، وأن الوسطاء تقاضوا عمولات بلغت 20 في المئة بسبب مخاطر نقل الأموال. لكن وزارة الخارجية الأميركية شككت في صحة هذه المعلومات ونفت وصول المبلغ، فيما امتنع دعموش عن تحديد مصدر التمويل وحجمه الإجمالي. وإذا صحت المعلومات عن وصول الأموال الإيرانية، فإن السؤال يتعلق بأسباب استمرار طهران في تخصيص مبالغ كبيرة للحزب، رغم الحصار وأزمتها الاقتصادية وشبكاتها المالية. يمكن تفسير هذه الأولوية انطلاقاً من موقع حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية. فطهران، التي استثمرت لعقود في بناء قدرات الحزب العسكرية والسياسية والاجتماعية، تواجه احتمال تراجع ما تبقى من نفوذها في لبنان إذا فقد الحزب قدرته على المحافظة على بيئته الحاضنة. ولذلك، فإن التمويل لا يهدف بالضرورة إلى معالجة التداعيات الاجتماعية للحرب وحدها، بل إلى منع تحول الأزمة المالية إلى خسارة سياسية إضافية. وبهذا المعنى، قد تكون إيران قد وجدت نفسها أمام كلفتين، إما توفير الأموال رغم صعوباتها الاقتصادية، وإما المخاطرة بمزيد من التراجع في موقع الحزب داخل المجتمع الذي يستند إليه. ويبدو أن أولوية المحافظة على هذا الموقع تفسر الاستعداد لتحمل كلفة مالية إضافية. لكن الإعلان لا يعني انتهاء الأزمة. فالحزب لم يكشف عدد المستفيدين أو الكلفة الإجمالية للبرنامج، كما أن توزيع المساعدات على أربع دفعات خلال سنة يترك مسألة استمرارية التمويل مفتوحة. وبالتالي، فإن الاختبار الأساسي يكون في القدرة على استكمال الالتزاما