تتعرض قناة "تلفزيون سوريا" لهجمات على وسائل التواصل، القسم الأكبر منها ليس جديداً، ويعود إلى الفترة التي سبقت تأسيسها العام 2018. وقبل أن تبث رسمياً في شهر آذار، كان البعض قد أطلق النار عليها. ورغم مرور أكثر من 8 أعوام، تغيرت خلالها قيادة هذه المؤسسة مرات عديدة، فإن الحملات مستمرة، وفي كل مرة تتبدل أدواتها وأشخاصها. ولكي لا يفهم البعض كلامي في غير مكانه، أود الإشارة هنا إلى أني لا أقصد النقد الذي يُوجه للتلفزيون كوسيلة إعلام. فهذا مشروع ومطلوب، فليس كل ما يصدر عنه من برامج أو أخبار خالياً من العيوب المهنية، التي تستدعي الاختلاف، من منظور مهني وتحريري، وحتى سياسي. في البدء كان "تلفزيون سوريا". لقد تأسس في مرحلة مهمة من عمر الثورة السورية، كانت فيها الهجمة الخارجية على السوريين كبيرة، وليست هناك أي وسيلة إعلام تتبنى رواية الثورة ضد نظام بشار الأسد، وتقدم القضية السورية بصورة سليمة، وتدافع عنها مقابل ما كان يروجه النظام وحلفاؤه الإيرانيون والروس. وكوني ترأست تحرير هذه المحطة لمدة عامين، ما بين 2019 و2021، فإنني أستطيع الحكم على أدائها في هذا المجال، وتقديم جردة بما أنجزته القناة، قبل وبعد ذلك، لإبقاء القضية السورية حية، وشد عصب السوريين حول هدفهم الرئيسي، وتحقيق ما ثاروا من أجله. لقد تبرعت مؤسسة "فضاءات ميديا" ببناء هذه المحطة من الصفر، على سبيل دعم ثورة السوريين، ومساندتهم سياسياً وإعلامياً، في لحظة تخلي العرب والعالم عنهم، وشوهت صورتهم وسائل الإعلام المعادية. وكان هدف "فضاءات" بناء منصة إعلامية سياسية ثقافية لتوصيل صوت السوريين، ورعاية الأمل بانتصار ثورتهم، ولم تنتظر من وراء ذلك مقابلاً أو مكافأة من أحد، أو تحقيق أي مكسب خاص. وقد استمر العمل بهذا المنهج حتى يومنا هذا، ولم يتراجع أمام الحملات التي تصدر عن بعض المفلسين، الذي لا يجيدون سوى التشكيك في الجهود الطيبة وأصحابها. وفوق ما قدمه "تلفزيون سوريا" كوسيلة إعلام، أسدى للسوريين خدمات كثيرة. فهو المكان الوحيد الذي فتح بابه للإعلاميين الشباب منهم الذين لجأوا إلى تركيا، ولم يجدوا منبراً للعمل وتطوير خبراتهم. فأتاح لهم كي يساهموا في بناء تجربة إعلامية خاصة، تقوم على مبادئ الثورة، والرد على دعاية النظام وحلفائه، ووفر لأعداد كبيرة الإمكانية والاستقرار المهني والحياتي لتصقل تجاربها، وهو بذلك قدم لسورية منفعة كبيرة نلاحظ نتائجها الآن في إعلام الدولة السورية، حيث التحق العديد من الصحفيين والكوادر الفنية التي تأهلت في "تلفزيون سوريا" بقناتي التلفزيون السوري الرسميتين، وقد شكل هؤلاء إضافة مهمة للإعلام السوري، وضمانة في أنه يسير على الطريق السليم. ليس "تلفزيون سوريا" وحده من يتلقى الهجمات، وتُكال له الاتهامات الباطلة، بل هناك وسائل إعلام عربية وأجنبية تتعرض لحملات أشد ضراوة، فقنوات كالجزيرة وسي إن إن وبي بي سي وفرانس 24 ..إلخ، تتلقى في كل يوم قدراً كبيراً من الشتائم والاتهامات، بعضها منظّم، والآخر عشوائي منفلت من عقاله. لقد باتت المسألة ظاهرة، لا تقتصر على وسائل التواصل العربية، بل نجدها مستشرية حتى في وسائل إعلام أجنبية. فالديماغوجية، وتزوير الحقائق، وتضليل الرأي العام، ومحاولات تشويه الصورة، والاغتيال المعنوي، ليست حكراً على فئات عربية، بل لعلها ظواهر عالمية، والخلاف الوحيد يكمن في الدرجة، وفي حضور القانون الذي ينظّم المسألة، بحيث لا يتحول الأمر إلى فوضى. برهنت التجارب الغربية أن اللجوء إلى القضاء والقانون هو الحل، والأقل كلفة وتوفيراً للوقت، وراحة الأعصاب، وإذا ما عُمل به على نحو صحيح يمكن له أن يضع كل مسألة في نصابها، ويريح أصحاب الحق من صرف جهد كبير في تفنيد الترهات الكثيرة، وتعزيل النفايات التي ينتجها سيل من المتفرغين للشتائم، واغتياب الآخرين، والخوض في تفاصيلهم الخاصة، والتشهير بهم. ومن هنا تنبع أهمية العمل على سن تشريعات واضحة، تنظّم عمل وسائل التواصل. وذلك أكثر جدوى من الانشغال بالرد على جيوش من المفلسين المحبطين، الذين صارت مهنتهم شتم الآخرين. كلمة أخيرة تفرض نفسها. مهما يكن من أمر، فإن بعض الذين لا يكفّون عن التصويب على "تلفزيون سوريا"، وعلى الدكتور عزمي بشارة، صاحب فكرته، والذي رعاه وسهر على نجاحه، تفضحهم سطورهم قبل أي شيء آخر. فهم لا يصدرون عن غيرة على سوريا واسمها الذي سيظل عالياً، ولا عن حرص على تطوير الإعلام السوري، بل عن خواء وإفلاس، يشهد عليهما أنهم لم يقدموا منجزاً يُذكر، وأنهم ما زالوا يطلقون النار على قطار فاتهم. ولو أن بعض هؤلاء قدّم لسوريا ذرة مما قدّمه بشارة لكان لنا معهم حديث آخر، ولصنّفناهم في خانة أخرى، غير تلك التي ينضوي تحتها المفلسون.