كشف تحليل أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" لصور الأقمار الصناعية عن تدمير 48 قرية وبلدة، من أصل نحو 60 تقع ضمن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان، أو تسويتها بالأرض إلى حد كبير، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نيسان/أبريل الماضي. وبحسب تحقيق أعدّه الصحافيون كريستينا غولدباوم وصامويل غرنادوس وأدينا رينر، فإن عمليات الهدم الإسرائيلية، التي تقول تل أبيب إنها تستهدف تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله ومنع عودته إلى المنطقة الحدودية، أثارت مخاوف من تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في جنوب لبنان وإفراغ مناطق واسعة من سكانها بصورة دائمة. وأوضحت الصحيفة أن وقف إطلاق النار أنهى أسوأ فصول المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، لكنه لم يضع حدا للعمليات الإسرائيلية الرامية إلى إعادة تشكيل الواقع في المنطقة الحدودية، مشيرة إلى أن الدمار طال معظم القرى ذات الغالبية الشيعية، بينما نجت قرى تقطنها غالبية مسيحية أو درزية أو سنية من الأضرار الأوسع نطاقا. ووفقا لبيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، نفذت قوات الاحتلال مئات عمليات الهدم في القرى الخاضعة لسيطرتها منذ وقف إطلاق النار، فيما أظهرت مقاطع مصورة أن الجيش استخدم، في بعض الحالات، طائرات مسيّرة لوضع المتفجرات. وحولت عمليات الهدم مساحات واسعة كانت تضم بساتين الزيتون ومزارع التبغ وقرى تاريخية إلى مناطق تغطيها الأنقاض والرماد، في دمار وصفه خبراء بأنه يتجاوز ما شهدته المنطقة خلال الحرب الأهلية اللبنانية والاعتداءات الإسرائيلية السابقة والحروب بين إسرائيل وحزب الله. ونقلت الصحيفة عن مهند حاج علي، الباحث الأول في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، قوله إن مستوى العنف وحجم الدمار والأدوات المستخدمة لا تشبه ما شهدته المنطقة سابقا، مضيفا أن تدمير البنية التحتية يبدو وكأنه يهدف إلى منع السكان من العودة في المستقبل القريب، حتى في حال انسحاب القوات الإسرائيلية. وفي بلدة بيت ياحون، أظهرت صور الأقمار الصناعية أن الدمار اتسع بصورة كبيرة بعد وقف إطلاق النار، إذ بدا أن وسط البلدة دُمّر بالكامل تقريبا بعد ثلاثة أشهر. وقال رئيس البلدية مصطفى مكي، الذي زار البلدة في آب/أغسطس برفقة قوات من الجيش اللبناني، إنه لم يتمكن من التعرف إلى معالمها بعد عودته إليها للمرة الأولى منذ مغادرتها مع اندلاع الحرب، مشيرا إلى اختفاء المسجد وخزانات المياه وتدمير المقبرة، وعدم تمكنه من العثور على قبور أقاربه. من جهته، قال أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة روتجرز، عادل حق، إن قسما كبيرا من الدمار لا يرتبط بمواجهة اشتباكات وشيكة، بل يبدو متصلا بإنشاء واقع أمني جديد طويل الأمد. كما حذر خبراء قانونيون من أن منع نحو 270 ألف نازح لبناني من العودة إلى منازلهم قد يرقى، في ظروف معينة، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولم تقتصر الأضرار على هدم المباني، إذ كشف تحليل لبيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات عن اندلاع أكثر من 200 حريق في المنطقة الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي بين أوائل نيسان/أبريل وأوائل أيلول/سبتمبر. وقدّر تحليل الصحيفة أن نحو 16,500 فدان احترقت في المنطقة، كان قرابة ثلثها أراضي زراعية تضم محاصيل الحبوب وأشجار الزيتون، ما يهدد مصادر رزق السكان ويزيد صعوبة عودتهم إلى قراهم. وقال رجال إطفاء ومسؤولون محليون إن بعض الحرائق يبدو أنه اندلع نتيجة إسقاط طائرات مسيّرة إسرائيلية متفجرات صغيرة، فيما أشارت الصحيفة، استنادا إلى خبراء ومنظمات إغاثية وأدلة بصرية، إلى استخدام مواد كيميائية قابلة للاشتعال، بينها الفسفور الأبيض. في المقابل، نفى جيش الاحتلال الإسرائيلي مسؤوليته عن الحرائق، وقال إن قواته ساعدت في إخمادها. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تسوية عشرات البساتين وحقول الزيتون بالأرض باستخدام الجرافات خلال الأشهر الأخيرة، في وقت أدى فيه غياب المزارعين وتوقف الري المنتظم إلى جفاف النباتات وزيادة قابليتها للاشتعال. وأشارت الصحيفة إلى أن غالبية القرى التي تعرضت للدمار شبه الكامل كانت مأهولة بسكان من الطائفة الشيعية، التي تشكل القاعدة الاجتماعية الرئيسية لحزب الله، في حين نجت سبع قرى من الأضرار الجسيمة، ويقطنها في الغالب مسيحيون أو دروز أو مسلمون سنة. وكان سكان القرى المتضررة قد غادروا منازلهم خلال القتال، عقب تحذيرات إسرائيلية بالإخلاء شملت أجزاء واسعة من جنوب لبنان، ولم يتمكنوا من العودة بعد إعلان إسرائيل المنطقة منطقة أمنية وإبقاء قواتها فيها. ويبرز هذا التباين في مصير بلدتي بيت ليف ودبل، اللتين تفصل بينهما مسافة تقارب ميلين؛ إذ تعرضت بيت ليف، ذات الغالبية الشيعية، لدمار شبه كامل بعد وقف إطلاق النار، بينما بقيت دبل، ذات الغالبية المسيحية، قائمة إلى حد كبير. وخلال