عادت القوائم العربية إلى سباق الكنيست بقرار من المحكمة العليا، لكن أبواب الحكم لم تُفتح أمامها. وقبل نحو أسبوعين من انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يواجه الناخبون العرب مفارقة متجددة، إذ قد تمنح أصواتهم القدرة على ترجيح كفة المعسكرات المتنافسة، فيما يبقى الاعتراف بممثليهم شركاء في صنع القرار موضع رفض ومساومة. ولا تكفي نسبة العرب من السكان لقياس قوتهم الانتخابية، فحجم الهيئة الناخبة يختلف عن الحجم السكاني، ثم تتدخل المشاركة وتوزيع الأصوات والتحالفات. وفي نظام يشترط حصول القائمة على 3.25% من الأصوات الصحيحة لدخول الكنيست، يصبح تماسك التمثيل عاملاً مؤثراً في تحويل الأصوات إلى مقاعد، وتجنب خسارتها تحت عتبة الحسم. في 23 أيلول/سبتمبر، قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب القائمة المشتركة، التي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة "رعم". واستندت طلبات الشطب إلى المادة 7 أ من قانون أساس الكنيست، التي تشمل نفي طابع الدولة اليهودي والديمقراطي، والتحريض على العنصرية، ودعم الكفاح المسلح لدولة معادية أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل. لكن المحكمة العليا ألغت في 2 تشرين الأول/أكتوبر شطب القائمتين بالإجماع، لعدم استيفائهما شروط الاستبعاد. وأعاد القرار القائمتين إلى المنافسة، لكنه لم ينهِ الجدل السياسي بشأن شرعية تمثيلهما وحدود نشاطهما. في المقابل، انسحب رئيس التجمع سامي أبو شحادة بعدما أشارت المحكمة إلى اتجاه أغلبية قضاتها لتأييد شطبه، على خلفية مقال عن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قال إنه لا يشكل تأييداً له. وهنا يبرز تمييز ضروري: إلغاء شطب القوائم لا يعني عودة جميع مرشحيها، وانسحاب أبو شحادة أنهى النظر في أهليته بدلاً من صدور حكم نهائي باستبعاده. وتكشف هذه المواجهة عن مستويين منفصلين للصراع: حماية الحق في خوض الانتخابات، وانتزاع القدرة على التأثير بعدها. المشاركة بين مطالب الحياة ورهان الوحدة تساعد أولويات الناخبين العرب في تفسير رغبتهم في التأثير. ففي استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أُجري بين 31 آب/أغسطس و3 أيلول/سبتمبر 2026، وضع 53% من المستطلعين العرب موقف الحزب من الجريمة ضمن العوامل الأكثر تأثيراً في اختيارهم، وجاء الاقتصاد وغلاء المعيشة تالياً بنسبة 46%. وتعكس هذه النتائج حضور الأمن الشخصي والضغوط المعيشية في القرار الانتخابي. ويترافق ذلك مع انفتاح على المشاركة الحكومية. فقد أظهر استطلاع برنامج كونراد أديناور للتعاون اليهودي العربي، المنشور في أيار/مايو 2026، تأييد نحو 77% من المشاركين العرب دخول حزب عربي في الائتلاف المقبل. أما أثر الوحدة بين الأحزاب العربية، فيحتاج إلى قراءة أكثر حذراً. فالاستطلاع نفسه قدّر المشاركة بنحو 53%، ترتفع إلى 67% في سيناريو توحيد الأحزاب العربية الأربعة، بما فيها "رعم". لذلك، لا يصح إسقاط التقدير الأعلى على الصيغة الحالية، التي تخوض فيها المشتركة و"رعم" الانتخابات منفصلتين. إنه قياس لاستجابة الناخبين لتحالف مفترض، وليس توقعاً مؤكداً للمشاركة أو المقاعد. وتبقى تجربة 2022 دالّة؛ إذ بلغت المشاركة العربية 53.2%، وفشل التجمع، الذي خاض الانتخابات منفرداً، في تجاوز العتبة. لذا، يرتبط تعزيز الحضور البرلماني بزيادة الإقبال وتقليل الأصوات التي لا تجد طريقها إلى التمثيل. من ترجيح الأغلبية إلى شروط الشراكة تطرح القائمتان مسارين للتأثير. تستند "رعم" إلى تجربة دخولها ائتلاف نفتالي بينيت ويائير لبيد عام 2021، وتسعى إلى ترجمة المشاركة الحكومية إلى ميزانيات وخدمات. أما المشتركة، فتطرح إمكان دعم حكومة بديلة من الخارج، مقابل التفاوض على مطالب المجتمع العربي، من دون الانضمام إلى الائتلاف. وهذا الدعم الخارجي يفتح مجالاً للنفوذ يتجاوز تولي الحقائب الوزارية، فقد تتفاوض القوائم على تأييد حكومة أقلية مقابل التزامات محددة بشأن مكافحة الجريمة والسكن والميزانيات. لكن فاعلية الخيار تتوقف على وضوح الاتفاق وآليات تنفيذه واستعداد الحكومة لقبول الاعتماد على أصوات عربية. فالحاجة العددية قد تفتح باب التفاوض، لكنها لا تضمن مكاسب قابلة للتحقق. وتصطدم هذه الإمكانية بمواقف معلنة داخل المعارضة. ففي 26 أيلول/سبتمبر، استبعد غادي آيزنكوت دخول "رعم" بصيغتها الحالية في حكومته المحتملة، معتبراً أنها لا تستوفي شروطه للشراكة. وهو موقف يوضح الفجوة بين إمكان الاستفادة من الوزن الانتخابي العربي وقبول أصحابه شركاء في الحكم. قد يمنح الاقتراع القوائم العربية مقاعد ترجّح الكفة، لكنه لن يحسم وحده موقعها السياسي. فتحويل التمثيل إلى نفوذ، سواء عبر المشاركة الحكومية أو الدعم الخارجي، سيظل مرهوناً بقوة التفاوض، وضمانات التنفيذ، واستعداد الشركاء المحتملين لتجاوز حسابات الاستبعاد.