أدخل استهداف مطار الرياض، أمس، الحرب الدائرة بين قوات الحكومة في اليمن والميليشيات الحوثية إلى دائرة أبعد بكثير من كونها نزاعاً محلياً على السلطة أو صراعاً حدودياً. حيث أصبح واضحاً، حتى لمن كان يكابر، أن جوهرها هو الشكل المعاصر لصدام تاريخي وثقافي عميق لم يتوقف ولم يدخل هدنة أو تسوية حقيقية منذ عام 1979، بل هو مستمر ومتواصل. وهذا ما أشار إليه جواد ظريف منذ يومين، حين انتقد نظرة بلاده إلى كل ما يحيط بها باعتباره "تهديداً للأمن القومي"، بدلاً من رؤية المنطقة كفرصة لبناء المصالح المشتركة، مؤكداً أن هذه العقلية هي التي تحوّل الشركاء المحتملين إلى أعداء. ونوّه إلى أن السفراء الإيرانيين في دول مثل سوريا والعراق وأفغانستان يتصرفون وكأنهم "ممثلون لفيلق القدس"، وليسوا دبلوماسيين أو ممثلين تجاريين يسعون إلى تطوير العلاقات. وأشار إلى عقم سياسة بلاده في محيطها العربي، وأتى بمثال عن السعودية، حيث قال: "أنتم من كنتم تشتمون السعودية وتسيئون إلى العرب من على المنابر، وأنتم من تسلقتم جدران السفارة السعودية عام 2016". لكن لماذا نجح الحوار بين العرب وتركيا وتعثر مع إيران؟ القوميات الكبرى الثلاث في المنطقة، العرب والأتراك والفرس، كانت على تماس دائم بحكم الموقع والجغرافيا. العرب والأتراك: تاريخ من الشراكة اشترك العرب والأتراك في تاريخ امتد نحو أربعة قرون من الحقبة العثمانية. وفي إبان الدولة العثمانية، لم تكن العلاقة بين العرب والأتراك دائماً مثالية، لكنها أيضاً لم تكن علاقة "غالب ومغلوب" بالمفهوم الاستعماري الكلاسيكي، بل كانت أقرب إلى "الشراكة" تحت مظلة الخلافة والدين المشترك. في تلك الحقبة، حتى العرب من غير السنة كانت تُعاملهم الدولة بأريحية، وكان للعائلات الإقطاعية حضور وشأن، باستثناء مرحلة السلطان سليم الأول وعلاقته بالعلويين، الذين اعتبرهم امتداداً للدولة الصفوية. نُظر إلى العرب كأنداد وشركاء أساسيين في بناء الدولة؛ فتولوا أعلى المناصب القيادية، وكانوا وزراء وقادة جيوش، وحافظت اللغة العربية على مكانتها الرفيعة كلغة للدين والتشريع. ورغم الغيمة السياسية التي شابت العقود الأخيرة من عمر السلطنة، حين طفت على السطح سياسات "التتريك" وصعود النزعة القومية "الطورانية"، التي أحدثت شرخاً وجفوة متبادلة، فإن هذا الصدام المتأخر لم يمحُ قروناً من الاندماج الاجتماعي والثقافي. هذه الذاكرة العميقة للشراكة والندية هي التي جعلت جلوس التركي مع نظيره العربي اليوم أمراً طبيعياً ومقبولاً نفسياً وتاريخياً، حيث يسهل استدعاء فترات التعاون والبناء المشترك. تتكئ السياسة الإيرانية في تعاملها مع محيطها العربي على الذاكرة التاريخية الإيرانية، المستندة إلى إرث مختلف تماماً، يتداخل فيه الشعور القومي بالتفوق الإمبراطوري القديم، أي ما قبل الإسلام، مع الجغرافيا السياسية الحديثة. تاريخياً، لم تختبر العلاقات العربية الفارسية نموذج "الشراكة الإدارية والسياسية المندمجة" الذي ميّز العهد العثماني، بل غلبت عليها فترات من الاستقطاب أو التنافس. وهذا الإرث التاريخي ولّد في العقلية السياسية، وخاصة لدى التيارات المتشددة، نوعاً من النظرة الفوقية تجاه المحيط العربي، وهي نظرة متأصلة في الذاكرة الفارسية الجمعية، تمثلها ملحمة "الشاهنامة" للشاعر الفردوسي، التي لم تبقَ حبيسة الكتب، بل أصبحت الدستور الثقافي والروحي غير المكتوب للقومية الفارسية. لقد صيغت هذه الملحمة، في الأساس، كحائط صد لمنع أي محاولة للتفاعل الإيجابي مع المحيط العربي الإسلامي. وفي ثناياها، رُسمت صورة نمطية بالغة القسوة والتحقير للعرب، حيث تم ربطهم حصرياً بالبداوة وانعدام التحضر، في مقابل التغني بمآثر "الاستثناء الفارسي" وعظمة الإمبراطوريتين الأخمينية والساسانية. تحول هذا الإرث الثقافي بمرور الزمن إلى مرجعية سياسية غير معلنة، تغذي شعوراً مستمراً بالتفوق ونرجسية التاريخ. وبناءً على هذه العقلية، تنظر النخبة الحاكمة إلى الجغرافيا العربية المحيطة، من بلاد الشام والعراق واليمن إلى الخليج العربي، لا باعتبارها دولاً جارة ذات سيادة وتاريخ ومشروع، وشركاء وحلفاء متساوين، بل أطرافاً تابعة جغرافياً وحضارياً، يجب إخضاعها للمركز الإيراني لضمان استمرارية تفوقه. السياسة الإيرانية تجاه العرب بعد 1979 استبشر العرب بالانقلاب على نظام الشاه عام 1979، وتأملوا مستقبلاً أفضل وتعاوناً مع إيران الجديدة، وبنوا أحلاماً على قيام مظلة إسلامية جامعة. لكن على الطرف الآخر، كان هناك مشروع آخر تبنّى التوسع ومبدأ تصدير الثورة، وظهرت آثاره على الأرض. فقد دعمت إيران محاولة انقلابية مبكرة في البحرين عام 1981، واستمرت في تأجيج الاحتجاجات وتدريب وتمويل خلايا مسلحة، مثل "سرايا الأشتر"، للقيام بتفجيرات ضد قوات الأمن. واستهدفت خلايا مدعومة إيرانياً سفارات أميرك