كعادته في مفاجأة الجميع بمواقفه غير المتوقعة، أعلن ترامب، الأحد الماضي، أن روسيا وأوكرانيا وافقتا على وقف القصف المتبادل لمنشآت الطاقة في البلدين. ورغم أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي فوجئ بالإعلان، كما صرح للإعلام، فإنه أعلن موافقته على "هدنة ترامب النفطية"، شرط موافقة روسيا عليها. لكن موسكو لم تكن قد علّقت على إعلان ترامب حتى صباح اليوم التالي، فيما قصفت القوات الروسية، في الأثناء، محطات لتوليد الكهرباء في كييف ومدن أوكرانية أخرى. وكعادته أيضاً، لم يرفق ترامب إعلانه على منصته للتواصل الاجتماعي بأي تفاصيل عن شروط الهدنة أو مدتها أو آليات مراقبة الالتزام بها. كما لم يوضح الأساس الذي استند إليه ليعلن بلهجة قاطعة: "اعتباراً من الآن، دخلت هدنة في قطاع الطاقة حيّز التنفيذ في الحرب بين روسيا وأوكرانيا. لقد وافق الطرفان عليها. لا تخرقوها!"، بحسب صحيفة واشنطن بوست. وقبل يوم من إعلانه الهدنة، صرح ترامب لوكالة "أسوشيتد برس" بأنه يقترح على الأوكرانيين اختيار قائد جديد قادر على التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن زيلينسكي كان يستطيع إبرام اتفاقات كثيرة، لكنه لا يفعل ذلك. وأضاف أن "الوقت قد حان" لكي تحصل أوكرانيا على رئيس جديد، واتهم زيلينسكي بالتسبب في مشكلات للعالم وللمزارعين الأميركيين بسبب أسعار وقود الديزل. وكان الباحثان ياسين بوزكوش وياسر أتلان قد تناولا، في تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS) في 29 أيلول/سبتمبر 2026، فرص التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة. وخلصا إلى أن فرص نجاحها محدودة، رغم وجود مصالح مشتركة قد تدفع الطرفين إلى قبولها، خصوصاً مع اقتراب الشتاء وارتفاع أسعار الطاقة. وأشار الباحثان إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاق على وقف الهجمات لا يكفي، ما لم تُحدَّد المنشآت المشمولة بالحماية بدقة، وتُنشأ آلية مستقلة للتحقق من الالتزام، وتُعتمد إجراءات واضحة لمعالجة الخروقات. وحذّرا من أن وقف الضربات سيحرم أوكرانيا من إحدى وسائل الضغط على الاقتصاد الروسي، فيما ستتخلى موسكو عن وسيلة تستخدمها للضغط على السكان الأوكران، من خلال استهداف منشآت الكهرباء والتدفئة. وسبق أن تعثرت محاولات التوصل إلى هدنة مماثلة. فقد ذكّر موقع "كييف إندبندنت" أواخر الشهر الماضي بأن واشنطن توصلت، في آذار/مارس 2025، عبر محادثات منفصلة مع موسكو وكييف، إلى تفاهم بشأن وقف الهجمات على منشآت الطاقة لمدة 30 يوماً. لكن التفاهم تعثر سريعاً وسط اتهامات متبادلة بخرقه، وغياب آلية مستقلة للتحقق من الالتزام به. وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس" في 23 أيلول/سبتمبر، كشف زيلينسكي أن الإدارة الأميركية تدفع باتجاه ثلاث خطوات: وقف الهجمات على منشآت الطاقة، وإعادة فتح ممر الحبوب في البحر الأسود، وعقد اجتماع ثلاثي بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا. وأكد استعداد كييف لقبول الهدنة. وقبل يومين من إعلان ترامب الأخير، أجرى اتصالاً هاتفياً مع بوتين. وقال مساعد الرئيس الروسي للشؤون السياسية، يوري أوشاكوف، إن الإعداد للاتصال استمر يومين، بين السابع والتاسع من الشهر الجاري. وأشار إلى أن ترامب أجّل بعض ارتباطاته لإجراء المكالمة، وهنأ بوتين بعيد ميلاده الذي يصادف السابع من تشرين الأول/أكتوبر. ونقل أوشاكوف عن بوتين تأكيده استعداد موسكو للتوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية تفضي إلى سلام طويل الأمد مع أوكرانيا، لكنه قال إن استئناف المفاوضات متعذر حالياً بسبب موقف كييف، التي اتهمها بمحاولة إفشال الانتخابات البرلمانية الروسية الأخيرة. وأضاف أن الرئيسين ناقشا التحضير لمبادرات اقتصادية واسعة النطاق، بما فيها توريد المنتجات النفطية الروسية إلى أسواق الولايات المتحدة والعالم، بحسب المجموعة الإعلامية الروسية "RBC" في العاشر من الجاري. طرحت "المدن" ثلاثة أسئلة على خبيرين أوكرانيين ومستشرق روسي بشأن "هدنة الطاقة" التي أعلن ترامب دخولها حيّز التنفيذ، وحظوظ تطبيقها عملياً. رأى المستشرق الروسي رسلان سليمانوف أن هدنة فعلية غير قائمة في الوقت الراهن، إذ لم تؤكد موسكو وكييف التزامهما بوقف إطلاق النار، فيما تتواصل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من الجانبين. واعتبر أن تصريح ترامب لا يعدو كونه أمنية شخصية، وليس اتفاقاً ملموساً يلتزم به الطرفان، مؤكداً أن وقف إطلاق النار يحتاج إلى وثيقة واضحة ومحددة يوافق عليها الجانبان. وفي شأن تعارض الهدنة مع سياسة الضغط على روسيا، قال سليمانوف إن إدارة ترامب أوضحت منذ بداية ولايتها أنها لا تعتزم الاعتماد حصراً على الضغط، بل باشرت مفاوضات مع موسكو ومشاورات في السعودية. ورأى أن الاتفاق على توريد الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، بصرف النظر عن القيود والعقوبات، يؤكد أن ترامب لا يريد الدخول في مواجهة مع الكرملين، وأنه يضع المصالح الأميركي