"لا ترحمون الناس، ولا تتركون رحمة الله تنزل عليهم". بهذه العبارة، علّق جزء من بيئة "حزب الله" على الانتقادات التي أعقبت إعلان رئيس مجلسه التنفيذي الشيخ علي دعموش تخصيص مساعدات مالية لإيواء العائلات المتضررة من الحرب الإسرائيلية. وأثار الإعلان سجالاً في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رحّب به مناصرو الحزب باعتبار الخطوة وفاءً بالتزامات الحزب تجاه جمهوره، فيما رأى هؤلاء أن خصومه وجدوا فيه محطة لمهاجمته سياسياً، عبر إثارة مصادر الأموال والعقوبات الأميركية وحصرية السلاح، بدلاً من الاهتمام باحتياجات من فقدوا منازلهم. والحال أن هذا الملف، بالنسبة للطرفين، أولوية. يتمسك خصوم الحزب بمنع الأموال عن المتضررين من الحرب، بهدف تقليب البيئة على الحزب، وزيادة الشرخ بين الناس والحزب الذي خاص حربين من دون استشارة الدولة أو الناس. أما الحزب، فيعتبر توزيع بدلات الإيواء أولوية، لإحراج الدولة أولاً، كما لتهدئة الغضب المتنامي جراء هذا الملف. بذلك، يسعى الحزب لإثبات مشروعيته في احتضان الناس وكسب ودهم، ولتأكيد التزاماته بأنه لم يتركهم في وقت تركتهم الدولة. وكان رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش، قد أعلن، خلال مؤتمر صحافي، إطلاق مشروع "وعد والتزام"، الذي يقضي بتقديم 14 ألف دولار للوحدة السكنية المستحقة في بيروت والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار في بقية المناطق، على أربع دفعات خلال سنة، للمساهمة في تغطية تكاليف الإيجار والأثاث. وتقارب تلك المبالغ، القيمة التي تم تسريبها عبر وكالة "رويترز" الأسبوع الماضي التي تتحدث عن 200 مليون دولار خصصها الحزب لدفع بدلات الإيواء. انتقادات تطاول مصادر الأموال لم يتأخر الاعتراض على الإعلان، إذ ركزت مواقف معارضة على مصادر التمويل وآليات إدخال الأموال إلى لبنان وتوزيعها خارج المؤسسات الرسمية، مطالبة الحكومة ومصرف لبنان والجهات القضائية بالتحقق من قانونية هذه العمليات، خصوصاً في ظل العقوبات الأميركية على شبكات متهمة بتمويل الحزب. وذهبت انتقادات إلى اتهامه بمحاولة شراء صمت المتضررين عن نتائج الحرب، فيما اعتبرت مواقف أخرى أن توليه تقديم التعويضات يعزز وجود منظومة مالية موازية للدولة، ويطرح إشكاليات تتعلق بالسيادة والرقابة. في المقابل، عبّر مؤيدون عن استيائهم من الهجوم على المبادرة، معتبرين أن الحزب يتولى مسؤولية كان يفترض بالدولة القيام بها، في ظل غياب حلول رسمية كافية لأزمة الإيواء. واعتبروا أن مساعدة العائلات المتضررة تأتي امتداداً لنهج الحزب في دعم بيئته والوقوف إلى جانبها، وليست خطوة جديدة بدأها مع إعلان مشروع الإيواء. واستعاد مناصرون وعود الأمين العام السابق حسن نصر الله بالوقوف إلى جانب الناس، مشيدين باستمرار هذا النهج بقيادة الشيخ نعيم قاسم. ورأوا في توفير الأموال رغم الضغوط والعقوبات دليلاً على تمسك الحزب بتعهداته. اتهامات بتوظيف معاناة المتضررين وبرز في ردود بيئة الحزب اتهام لخصومه بازدواجية المواقف، بعدما سبق أن حمّلوه مسؤولية ترك المتضررين من دون دعم، ثم انتقدوا تخصيص المبالغ لإيوائهم. ويأخذ هؤلاء على المعترضين أنهم لا يقدمون البدائل المطلوبة، وفي الوقت نفسه يرفضون مبادرة الحزب إلى تأمينها. ومن وجهة نظرهم، أصبحت معاناة أبناء بيئتهم وسيلة للضغط السياسي، سواء عبر اتهام الحزب بالتقصير عند تأخر التعويضات أو التشكيك في دوافعه عندما يباشر تقديمها، مما يعكس، برأيهم، رغبة في استثمار الأزمة أكثر من معالجتها. أما المنتقدون، فيتمسكون بضرورة إخضاع حركة الأموال للقوانين اللبنانية، ويربطون ذلك بمطلب حصرية السلاح بيد الدولة ورفض وجود أي سلطة موازية لها، سواء عسكرياً أو مالياً، معتبرين أن الحاجة الإنسانية لا تعفي أحداً من الرقابة والمحاسبة. ما حملته هذه التفاعلات يتجاوز الترحيب بالمساعدات أو الاعتراض عليها، إلى اختلاف في النظرة إلى مسؤولية حزب الله تجاه بيئته. ما يعتبره مناصروه وفاءً بالتزاماته، يراه خصومه تكريساً لدور يتجاوز مؤسسات الدولة...فيما يبقى موضوع الإيواء واحداً من الملفات التي يصعب فصلها عن الخلاف السياسي القائم في لبنان.