تتجه الأنظار مجددًا إلى بولندا، بعدما ظهر اسمها بصورة مفاجئة ضمن عقد ضخم أبرمته وزارة الدفاع الأميركية مع شركة "بوينغ"، تصل قيمته القصوى إلى أكثر من 131 مليار دولار، في خطوة أعادت فتح باب التكهنات بشأن احتمال انضمام وارسو إلى مستخدمي المقاتلة المتطورة F-15EX، رغم النفي الرسمي البولندي السريع. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "ماكو" الإسرائيلي، ارتبط اسم بولندا في الأيام الأخيرة بعقد ضخم بين البنتاغون و"بوينغ" تصل قيمته إلى 131.23 مليار دولار، في وقت سارعت فيه وارسو إلى نفي التقارير، إلا أن سجل صفقات التسليح البولندية خلال السنوات الماضية يترك الباب مفتوحًا أمام سيناريو مختلف، خصوصًا أن دمج F-15EX مع مقاتلات F-35 قد يؤدي إلى تغيير مهم في ميزان القوى مع روسيا في شرق أوروبا. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أعلنت رسميًا عن عقد إطار استثنائي من نوع IDIQ مع شركة "بوينغ"، بسقف مالي يصل إلى 131.23 مليار دولار، ضمن برنامج "F-15 Eagle Crest". ويشمل العقد إنتاج طائرات F-15 وتحديثها وصيانتها وتطوير منظوماتها، ومن المقرر أن يمتد حتى عام 2037. وبدا الأمر في البداية كواحد من عقود البنتاغون الضخمة المعتادة، إلا أن المفاجأة ظهرت في قائمة الدول المسموح لها بشراء الطائرات والخدمات المرتبطة بها ضمن برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية FMS. فإلى جانب عملاء معروفين مثل إسرائيل واليابان والسعودية، ظهر اسم بولندا، رغم أن سلاحها الجوي لا يشغّل حاليًا مقاتلات من طراز F-15. وسارعت وارسو إلى إصدار توضيحات رسمية، إذ أكدت وزارة الدفاع البولندية أن "القوات المسلحة لا تخطط لشراء مقاتلات F-15EX"، مضيفة أن إدراج بولندا ضمن العقد "لا يعني بدء عملية شراء رسمية". إلا أن التجارب السابقة في صفقات التسليح البولندية تفرض قراءة أكثر حذرًا، إذ سبق أن حصل سيناريو مشابه تمامًا في ما بات يُعرف بـ"سابقة صفقة أباتشي". ففي عام 2017، نفى كل من البنتاغون ووزارة الدفاع البولندية بشكل قاطع أن تكون بولندا قد اختارت المروحية الهجومية AH-64 أباتشي، وذلك بعدما ظهر اسم البلاد بالطريقة نفسها تقريبًا ضمن عقد أميركي. لكن ما حدث لاحقًا كان مختلفًا تمامًا، إذ وقعت بولندا بعد فترة قصيرة صفقة ضخمة، وأصبحت أكبر عميل دولي لمروحية أباتشي من خلال طلب غير مسبوق شمل 96 مروحية AH-64E. وسُجلت حالات أخرى مشابهة، ما يدفع إلى التقدير بحذر أن إدراج بولندا في عقد F-15 الحالي قد يكون خطوة تمهيدية تسبق صفقة مستقبلية كبيرة. أما السؤال الأبرز، فهو لماذا قد تحتاج بولندا أصلًا إلى مقاتلة F-15EX؟ الإجابة، وفق التقرير، ترتبط بالتكامل العملياتي، على غرار ما تعتمده إسرائيل والولايات المتحدة. فسلاح الجو البولندي يعيش حاليًا مرحلة تحول واسعة مع بدء استيعاب مقاتلات F-35A رسميًا، بعدما التزمت بولندا بشراء 32 طائرة من هذا الطراز، فيما تخطط لشراء 32 طائرة إضافية. وفي المقابل، تتمتع F-15EX بقدرة على حمل أكثر من 13 طنًا من الأسلحة لمسافات بعيدة، ما يجعل دمجها مع F-35 خيارًا ذا أهمية عملياتية كبيرة. فمقاتلة F-35 توفر قدرات متقدمة في جمع المعلومات الاستخبارية وإدارة المهمات، وهي مقاتلة شبحية عالية الفاعلية، إلا أن قدرتها على حمل الأسلحة داخليًا تبقى محدودة بسبب الحاجة إلى المحافظة على بصمتها الرادارية المنخفضة. وهنا تبرز F-15EX، التي تستطيع توفير قوة جوية متعددة المهمات وقادرة على حمل كميات كبيرة من التسليح، ما يمنح أي قوة جوية تستخدم الطرازين معًا مزيجًا بين التخفي والاستشعار من جهة، والقوة النارية بعيدة المدى من جهة أخرى. ويأتي احتمال شراء F-15EX كجزء إضافي من مشروع التسلح الهائل الذي تنفذه بولندا، والذي توسع بصورة أكبر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وتعمل وارسو على بناء واحد من أقوى الجيوش في أوروبا، إذ لا يقتصر برنامجها على مقاتلات F-35 والمقاتلات الخفيفة FA-50 الكورية الجنوبية، بل يشمل أيضًا تحديث أسطول مقاتلات F-16. وتضاف إلى ذلك مشتريات عسكرية ضخمة أخرى، بينها 250 دبابة أميركية من طراز أبرامز M1A2، إلى جانب 180 دبابة K2 كورية جنوبية، وهي مجرد قائمة جزئية من برنامج التسليح البولندي. ويبقى السؤال المطروح ما إذا كانت النسخة الأحدث من F-15 ستظهر قريبًا في بولندا. فشركة "بوينغ" تدفع بالفعل في هذا الاتجاه، وسبق أن دعت مسؤولين بولنديين إلى المشاركة في رحلات تجريبية، فيما قاد الجنرال إيريناوش نوفاك الطائرة بنفسه عام 2025. أما عقد البنتاغون الجديد، فيوفر لبولندا المسار الأسرع والأكثر سهولة للمضي في صفقة من هذا النوع إذا اتُخذ القرار السياسي والعسكري بذلك. وبين النفي الرسمي والوقائع المتراكمة خلف الكواليس، تبقى المسألة مفتوحة: هل تظل F-15EX مجرد اسم ورد في عقد أميركي، أم تتحول، كما حدث مع "أباتشي"، إلى ال