في روايته "صفر فاصل خمسة"، يقدم الروائي المصري أحمد القرملاوي تجربة جديدة على السرد العربي، تقوم على فرضية مفادُها أن ترويض سطوة العقل الاصطناعي ليس أمراً مستحيلاً. والعنوان هو نفسه اسم "أخوية" تعمل – بحسب الرواية - على تطوير قدرة الذكاء الاصطناعي على تمثُل مشاعر البشر في ظروف ومواقف حياتية مختلفة. ويوحي الاسم بأن العقل الاصطناعي لا يزال في طور الطفولة، ومن ثم يمكن العمل من الآن على "تهذيبه"، بل حتى "اللعب" معه بالمعنى الفني، إذا جاز التعبير. وكأنما يرفض القرملاوي بهذه الرواية ما يقال عن أن ذلك العقل قادر – الآن أو مستقبلاً - على كتابة روايات تأخذ بالألباب، كرواية ثيليسون أوريليان "هذا ما كان أو الموت"، والتي واجهت اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، ما أدى إلى استبعادها من القائمة الطويلة لـجائزة غونكور. وبالطبع فإن صدور رواية "صفر فاصل خمسة" سبق تفجر تلك القضية، لكن إشهار التهمة نفسها تكرر بخصوص أعمال إبداعية عديدة في السنوات الأخيرة، لدرجة أن البعض بات يخشى من استخدامها فزّاعة في وجه أدباء حقيقيين، خصوصاً وقد ثبت أن الاتكاء على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتمييز الأصيل عن ذاك المنتج بالتقنيات ذاتها. "عمر الحجاوي" تخطى الأربعين من عمره، ويعمل مديراً لشؤون العاملين في شركة مملوكة لمجموعة شركات متعددة الجنسيات، "راتبُها سخي، لكنه مغموس في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية، لدرجة أنني لو استبدل بي مدير آخر له نفس خبرتي لما شعر أحد بفارق يذكر، أما لو جنحت أفكار الإدارة العليا للاستعانة بالذكاء الاصطناعي، فقد لا ترجى من خبراتي أي فائدة". مضى على زواجه من "هانيا" نحو عشرين عاماً. تعتريه مشاعر الملل تجاه حياته الزوجية وتقوده مشاهداته لمقاطع فيديو قصيرة على هاتفه عبر الشبكة العننكبوتية إلى إعلان عن الحاجة إلى متطوعين لتجارب تستهدف تطوير قدرة العقل الاصطناعي على تمثل مشاعر البشر في مواقف حياتية افتراضية مختلفة. تفتتح الرواية التي يتولى السرد فيها "عمر" بضمير المتكلم، بقوله: "الريلز تحاصرني، تتربص بدخولي إلى الفيسبوك أو الإنستغرام، فتقفز إلى الواجهة وتقول لي: لا نزال في انتظارك. عليك أن تجرب العقار الجديد. لا بد للملل من نهاية. لا بد للأرق من دواء ناجع. تدهشني معرفتهم بي، ومقدرتهم على اختراقي وغمري بالريلز المصوَّبة في اتجاهي بدقة متناهية". لاحقاً سيعرف أن زوجته لعبت الدور الأهم في دفعه لخوض تلك التجربة، وأنها قررت أن تخوضها أيضاً، على أمل أن تساهم في إنقاذ زواجهما من الانهيار. لاحظ "عمر" أنهم يصوغون الدعوات بطريقة لا تترك مجالاً للتردد؛ تدمج أسلوب "الحث على الفعل" الذي ابتكره خبراء التسويق، مع طريقة الروحانيين الجدد في التبشير بالرحلة ومشاركة الخبرة والمعرفة؛ "يا له من أسلوب مثالي في مخاطبة شخص خاو مثلي، تتردد في جوفه الكلمات الرنَّانة كما حبَّات الشخشيخة، فتثير انتباهه وتحفزه على الفعل". اختار مجموعة اسمها "أخوية صفر فاصل خمسة" ليلبي دعوتها له للتطوع: "شيء ما في اسمها وجد في نفسي صدى عميقاً، قد يكون الفضول الذي تثيره كلمة "أخوية"، وما توحي به من رابط يغلفه الغموض وتصنعه الأهداف المشتركة، أو قد تكون غرابة الرقم صفر فاصل خمسة الخالي من أي دلالة معروفة". تدور أحداث الرحلة الافتراضية في مونتينيغرو في واقع افتراضي تتسلط عليه الخوارزميات التي تقرأ ما يجول بخاطر عمر الذي سيكتشف قبل نهاية التجربة أن زوجته منخرطة فيها أيضاً، فتعزز رغباته ومخاوفه: "عليَّ فقط أن أوقف اللعب مع آلهة هذا العالم المسماة بالخوارزميات، أن أكشف لها عن إرادة واضحة تتجاوب معها" ص 87. أفكاره وهواجسه سترسم مسار التجربة والأحداث، في ثلاثة أيام تتضمن ثلاثة مسارات: السفر، الفقد، والتيه. هكذا أخبرته مندوبة شركة الذكاء الاصطناعي وتدعى "سلمى" التي حين التقاها لم يستطع التيقن مما إذا كانت بشراً طبيعياً أم أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي. نقطة الانطلاق كانت شقة في منطقة المقطم في القاهرة وما كان عليه سوى أن يرتدي نظارة محاكاة لينتقل إلى عالم افتراضي في إحدى مدن جمهورية مونتينيغرو (الجبل الأسود)". وبين مرحلة وأخرى يمكنه العودة إلى واقعه بأن يمكث ساكناً تماماً في محيط مظلم لمدة 30 ثانية. في اليوم الثالث تمكن بإرادة صلبة من الخروج عن سيطرة العقل الاصطناعي الذي تجسد له على صورة شاشة عملاقة، دخل معها في سجال عكس رغبته في التحرر من سطوتها قبل أن يبادر بتحطيمها. وما قاله مخاطباً ذلك العقل الاصطناعي: "ما أنت إلا حصيلة تجارب مبتورة وعواطف مشتتة". في ذلك الواقع الافتراضي الذي أدرك أنه "عبثي"، تعرف كما يقول على "باتريشيا" الخيالية، "ويا للدهشة تعرفت أيضاً على هانيا أخرى حقيقية: هانيا مغامرة، متآمرة، ماء يتسلل في الخفاء تحت كومة تِبن". وفي مونولوغ آخر يقول: "يا لسخر