منذ الأيام الأولى للثورة السورية، بدا المشهد واضحًا، فهناك جزء لا بأس به من الشعب يخرج مطالبًا بالحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد. كانت الشعارات الأولى بسيطة ومباشرة، لا تحتمل كثيرًا من التأويل: الحرية، الكرامة، العدالة، مكافحة الفساد، وإنهاء حكم الفرد والأجهزة الأمنية. لكن بعد أكثر من عقد ونصف على انطلاق الثورة، يبرز سؤال لا بد من مواجهته بصراحة: هل كان السوريون الذين خرجوا جميعًا يعرفون لماذا خرجوا؟ وهل كانوا متفقين على مشروع واحد ورؤية واحدة لمستقبل بلادهم؟ يصعب الادعاء بأن ملايين السوريين الذين شاركوا في الثورة كانوا يحملون تصورًا سياسيًا وفكريًا متطابقًا. فالثورات، بطبيعتها، تجمع تحت رايتها أفرادًا وجماعات مختلفة المصالح والخلفيات والأهداف. غير أن ما جمع السوريين في البداية كان شعورًا عامًا بالاختناق تحت نظام استبدادي صادر السياسة والمجتمع والاقتصاد لعقود طويلة. كان هناك توافق واسع على رفض الإهانة اليومية، وعلى رفض تحويل المواطنين إلى رعايا يخضعون لسلطة لا تُحاسَب. لكن هذا التوافق لم يكن يعني بالضرورة اتفاقًا على كل المبادئ التي رفعتها الثورة، أو هكذا بدا. فبينما رأى كثيرون في الثورة مشروعًا متكاملًا للتحرر السياسي والإنساني، انتقى آخرون من هذا المشروع ما يناسب قناعاتهم أو مصالحهم. أخذوا من الثورة ما أعجبهم وتركوا ما لم يعجبهم. طالبوا بإسقاط السلطة، لكنهم لم يؤمنوا بالضرورة بالحرية للجميع. نددوا بالاستبداد حين كان يمارس ضدهم، لكنهم لم يمانعوا ممارسته ضد خصومهم. رفعوا شعار الكرامة، لكنهم لم يروا كرامة من يختلف معهم سياسيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا. والأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء لم يكتفوا بتجاهل المبادئ التي لم تناسبهم، بل تحولوا إلى محاربتها. فبدلاً من الدفاع عن الحريات العامة، أصبحوا ينظرون إليها باعتبارها خطرًا على مشاريعهم الخاصة. وبدلاً من الدفاع عن التعددية، سعوا إلى فرض رؤيتهم الأحادية للمجتمع. وهكذا تحولت الثورة، في نظر بعض المشاركين فيها، من مشروع تحرر شامل إلى مجرد وسيلة للوصول إلى غاية أخرى قد لا تكون أقل استبدادًا من النظام الذي ثاروا عليه. وهناك فئة أخرى لم تكن ثورتها موجهة ضد بنية الاستبداد نفسها، بل ضد أشخاص بعينهم. كان اعتراضها على الحاكم لا على فكرة الحكم المطلق، وعلى المسؤول لا على المنظومة التي أنتجته. لذلك وجدنا بعض من قدموا أنفسهم لاحقًا كثوار مستعدين لتقبل الممارسات ذاتها إذا صدرت عن شخص أو جهة تنتمي إلى معسكرهم. لم يكن معيارهم الحرية أو العدالة، بل هوية من يمارس السلطة. ومع تغير موازين القوى وسقوط النظام، برزت ظاهرة أخرى لا تقل إشكالية. فقد ظهر على الشاشات وفي وسائل الإعلام أشخاص لم يكن لهم حضور يُذكر في مسار الثورة الحقيقي، أو كانوا جزءًا من منظومات القمع والفساد بدرجات مختلفة، ثم أعادوا تقديم أنفسهم بوصفهم مناضلين تاريخيين أو معارضين قدامى. والأكثر غرابة أن بعضهم أخذ يروي بطولات ومواقف لا تنسجم مع ما يعرفه السوريون عنه وعن أدواره السابقة. هذه الظاهرة لا تعكس فقط أزمة أخلاقية فردية، بل تكشف مشكلة أعمق تتعلق بضعف الذاكرة العامة وبغياب المساءلة. فحين يصبح بالإمكان إعادة كتابة التاريخ بهذه السهولة، يصبح من السهل أيضًا تزييف معاني الثورة نفسها. كأن المطلوب من السوريين أن ينسوا ما رأوه وعاشوه، وأن يتعاملوا مع الروايات الجديدة بوصفها حقائق ثابتة. وفي هذا السياق تبرز مسألة العدالة الانتقائية، وهي من أخطر التحديات التي تواجه أي مجتمع يخرج من حقبة استبدادية. فالعدالة تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة تستهدف أشخاصًا محددين وتغض الطرف عن آخرين ارتكبوا أفعالًا مماثلة أو أشد خطورة. لا يمكن بناء دولة قانون إذا كان معيار المحاسبة هو الموقع السياسي أو الانتماء الحالي، لا طبيعة الجرم المرتكب. ويستشهد كثيرون بقضية أحمد حسون باعتبارها مثالًا على هذا الجدل. فبغض النظر عن الموقف منه، وعن حجم مسؤوليته القانونية أو الأخلاقية، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان يستحق العقوبة أم لا، بل ما إذا كانت المعايير نفسها تُطبَّق على الجميع. فإذا كان هناك من حُوسب بسبب مواقفه أو أفعاله المرتبطة بالنظام السابق، فكيف يمكن تبرير تجاهل شخصيات أخرى مارست التحريض أو شاركت في انتهاكات أو أدارت شبكات قمع موازية؟ وكيف يمكن تفسير ظهور بعض هؤلاء اليوم بوصفهم شخصيات محترمة أو رموزًا للنضال؟ إنَّ العدالة التي تُطبَّق على طرف واحد فقط ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال الانتقام السياسي. أما العدالة الحقيقية فتقتضي أن يخضع الجميع للمعيار نفسه، مهما كانت هوياتهم أو مواقعهم أو علاقاتهم الحالية. وهي لا تقوم على تصفية الحسابات، بل على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون. ربما كان من المبكر في عام 2011 طرح هذه الأسئلة، لأن لحظة الثورة كانت لحظة وحدة