سألت نفسي مرارًا كما سألت غيري (خصوصًا الشيخ محمد مهدي شمس الدين) كيف أنَّ هذا الإمام الكبير، الإيراني-النجفي مولدًا ونشأة ودراسة وتربية وذائقة فكرية- ثقافية ومزاجًا نفسيًا، توصل إلى اكتشاف معنى لبنان وسر اجتماعه الأهلي والسياسي، فصاغ له مشروعًا بحجم رسالته التي قال فيها: "إنَّ لبنان أكثر من وطن: إنه رسالة حوار وعيش مشترك وانفتاح"؟ هذا المشروع الصدري أسماه الشيخ محمد مهدي شمس الدين: "المشروع الوطني العربي الإسلامي الإنساني للمسلمين الشيعة في لبنان". كان السؤال الذي شغل بال الإمام حين قرر العمل على نهضة الشيعة في لبنان هو: كيف نحدد ميزات الشخصية الشيعية كما تجلّت في التاريخ، لا في الأساطير والخرافات؟ ما قيمة وفاعلية القيم والمبادئ والأسس التي قام عليها التشيّع في تجدد الذات الشيعية اليوم؟ كيف يمكننا استنطاق واسترشاد هذه القيم وتلك الروحانية العرفانية وذلك المحيط الزاخر بالعلم والحكمة، وذلك الظمأ للعدل، في حاضرنا وفي وعينا وفي سلوكنا وممارساتنا وفي رسم خياراتنا؟ كيف ندرج المسلمين الشيعة اللبنانيين في سياق مشروع وبرنامج لإصلاح الوطن والدولة، لا في مشروع فئوي خاص؟ كيف نوفق بين العام والخاص: بين ما هو شيعي مذهبي عربي وعالمي وما هو شيعي وطني لبناني؟ كيف يكون الشيعة مجرد مواطنين في بلدانهم، لهم ما للباقين وعليهم ما على إخوانهم في الوطن؟ وكيف يسهم شيعة لبنان في تحرر ونهوض الشيعة العرب، وفي تقدم وازدهار الأمة العربية والإسلامية بل الإنسانية كلها؟ السيد موسى الصدر في إطار التراث الشيعي اللبناني لم يبدأ الإمام الصدر من فراغ. فهو أولًا من أصول لبنانية، من قرية شحور قضاء صور، وقد حلّ بمدينة صور (1959) بناء على دعوة سابقة من المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين. كما استند إلى تراث شيعي لبناني متكامل الحلقات هو ما صنع شيعة لبنان، لا محطات معزولة خارج أي سياق. فقد كان الشيعة، كغيرهم من اللبنانيين، في طليعة المعترضين على التشكيل الانتدابي للبنان الحديث، وهو اعتراض من شاكلة الاعتراضات اللبنانية الأخرى، حملته قوى ومصالح وأيديولوجيات متعددة، أبرزها الاعتراض الأرثوذكسي الممثَّل بالحزب القومي السوري وزعيمه أنطون سعادة، إضافة إلى اعتراض البورجوازية المدينية السنية السورية (في كل بلاد الشام). وكانت عروبة الشيعة وسوريتهم هي العروبة الطبيعية لتيارات مطلع القرن العشرين، في زمن كانت الخرائط ترسمها الدول المستعمرة فيما القوى الأهلية تقاوم فرض الأمر الواقع. ولا يجوز اختزال تاريخ شيعة لبنان في هذا الاعتراض ، بل هو تاريخ تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية متنوعة صنعت صورة لبنان الحالي وصورة الشيعة فيه، وتستحق البحث الجاد في أشكال انخراط النخب الشيعية في الحياة الوطنية خلال المرحلة الانتدابية (1920-1943) ثم الاستقلالية (1943-1975) فمرحلة الحروب الأهلية (1975-1992). وفي هذا السياق يبرز اختلاف رؤية السيد شرف الدين عن رؤية السيد محسن الأمين، وتبرز الاختلافات بين شتى التيارات السياسية والدينية، وتطزدوراتها وتقلباتها، ما يستدعي دراسة الأصول السوسيولوجية لهذه التيارات في جبل عامل. كانت عروبة الشيعة المساق الطبيعي لتاريخهم وثقافتهم ولغتهم وعشائرهم، وهي لم تتعارض مع لبنانيتهم اللاحقة التي عبّر عنها الإمام شرف الدين، خصوصًا بعد عام 1936، حين أعلن أن الحركة الانفصالية بين الشيعة قد توقفت وأن الشيعة التحقوا بالوحدة الإقليمية للبنان الكبير (جريدة لسان الحال، 21-10-1936). وقد تمثّل الإبداع الشيعي المبكر في إيجاد لُحمة بين وطنية لبنانية قائمة على واقع مستجدّ متصالح عليه (دولة لبنان الكبير)، وما بين عروبة حضارية طبيعية لا تحتاج إلى أدلوجات قومجية فاشستية ولا إلى مرتكزات سلطوية ، أي من دون الإغراق في أسطرة التاريخ الغابر من جهة (الفينيقية وحضارة الستة آلاف سنة)، ولا في أدلوجة اصطناع الكيان اللبناني من جهة أخرى، وهي أدلوجة ما زالت حاضرة في وعي أكثر من حزب وتيار عقائدي يتناسى أن كل الكيانات العربية مصطنعة بهذا المعنى. كان الإمامان الصدر وشمس الدين يطرحان دومًا هذه المعادلة: إن التاريخ السياسي للبنان هو حاضرنا القائم والمتوافَق عليه، فلنتفق على أن هذا التاريخ يبدأ عام 1920 (إعلان دولة لبنان الكبير) أو 1943 (الاستقلال) على الأقل، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الروابط العربية أو الخصوصية اللبنانية، ولا التنكر لانتماءاتنا الشيعية أو الإسلامية أو المسيحية أو العلمانية، أو غيرها، وإنما الاعتراف بهذه التعددية ضمن إطار وطني جامع متوافق عليه. ولم يكن الشيعة وحدهم على هذا الوعي؛ فبيان السيد كاظم الصلح (بموافقة السيد عادل عسيران) بعد مؤتمر الساحل 1936 حمل الهمّ ذاته في اجتراح معنىً إسلامي للوطنية اللبنانية ومعنىً لبناني للعروبة، ذلكَ تأثرًا بتطور مماثل في سوريا قادته الكتلة الوطني