لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرّد تبدّل في موازين القوى أو انتقال النفوذ من محور إلى آخر. ما يجري أعمق من ذلك. نحن أمام لحظة إعادة تأسيس جيو-سياسيّة تطال مفهوم الأمن، وطبيعة التحالفات، ووظيفة الدولة، وحدود استخدام القوّة، والعلاقة بين الأمن القومي والأمان الإنساني. من إيران إلى إسرائيل، ومن الخليج إلى شرق المتوسّط، تتفكّك معادلات قديمة فيما تتكوّن أخرى. وفي قلب هذه التحوّلات جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا وباكستان ليضيف عنصرًا نوعيًّا إلى هندسة الأمن الإقليمي-الدّولي. الاتفاق يعبّر عن توجّه نحو تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي وتنويع الشراكات الأمنيّة، في لحظة تبحث فيها دول المنطقة عن هوامش أوسع لحماية مصالحها وصناعة استقرارها. لكنّ السؤال الأهم يتجاوز الاتفاق نفسه، هل نشهد ولادة توازن قوىً جديد، أم فرصة للانتقال تدريجيًّا نحو توازن للمصالح والقِيَم؟ أم نَشهدُ تعميمًا ثابتًا لثقافة النكروبوليتيكس! إيران وحدود الجيو-سياسة العابرة للدول يصعب فهم التحوّلات الراهنة من دون قراءة التجربة الإيرانيّة. على مدى عقود، بنت طهران جزءًا أساسيًّا من نفوذها الإقليمي-الدّولي على مفهوم الهجوم المتقدّم، وعلى شبكات من القوى المسلّحة غير الدولتيّة. وقد وفّر هذا النموذج لإيران أوراق قوّة وردع، لكنّه ساهم أيضًا في تحويل دول ومجتمعات إلى ساحات مفتوحة لصراعات تتجاوز مصالحها الوطنيّة. اليوم، يبدو هذا النموذج أمام مراجعة راديكاليّة. المطلوب هو إيران الدولة بدل إيران الثورة العابرة للحدود. دولة تدافع عن مصالحها من خلال العلاقات بين الدول، لا من داخل دول أخرى؛ وتنتقل من الاستثمار في الوكلاء إلى الاستثمار في الدبلوماسيّة والتنمية والشراكات الاقتصاديّة. هذا التحوّل لا يخدم دول المنطقة وحدها، بل يمكن أن يشكّل فرصةً لإيران نفسها كي تعيد تعريف قوّتها من خلال شرعيّة الدولة ومصالحها، لا من خلال استنزاف المجتمعات المحيطة بها. نِظام الملالي بعيدٌ عن هذا الخيار. إسرائيل حيثُ التفوّق العسكري لا يصنع وحده الأمن في المقابل، تفرض إسرائيل حضورها بوصفها قوّة أيديولوجيّة وعسكريّة وتكنولوجيّة واستخباريّة متفوّقة. لكنّ التجربة تثبت أنّ التفوّق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع وحده إنتاج أمن مستدام. يمكن للقوّة أن تغيّر موازين الردع، وأن تضعف الخصوم، وأن تفرض وقائع ميدانيّة، لكنّها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا ولا الشعوب ولا الحقوق. وهنا تبقى القضيّة الفلسطينيّة في صلب أيّ نظام إقليمي قابل للحياة. لا سلام يتجاوز حقّ الفلسطينيّين في تقرير المصير والكرامة والأمان، كما لا يمكن بناء نظام مستقرّ يبقي على الصّراع قائِمًا. العدالة والأمن ليسا خيارين متناقضين؛ بل شرطان متلازمان للاستقرار. هذا تحديدًا هو الفارق بين إدارة الحرب وبناء السلام. الأولى تبحث في كيفيّة ردع الخصم، أمّا الثانية فتبحث في كيفيّة منع إعادة إنتاج الخصومة نفسها. وهنا يصبح الانتقال من منطق الانتصار العسكري إلى منطق التسوية السياسيّة أحد أهم اختبارات النظام الإقليمي-الدّولي الذي يتشكّل ضمانة للاستقرار. هل اتفاق مكة تحالف دفاعي أم بداية هندسة جديدة؟ ومن هنا تكتسب الشراكة التي كرّسها اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا وباكستان أهميّتها. هذه الشراكة تجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسيّ السعودي، والقدرات العسكريّة والصناعات الدفاعيّة التركيّة، والخبرة العسكريّة والاستراتيجيّة الباكستانيّة. لكنّ الأهم سياسيًّا هو ما يعكسه الاتفاق من اتجاه دول المنطقة إلى تنويع خياراتها الأمنيّة-العسكريّة وتحمّل مسؤوليّة أكبر في إنتاج أمنها، بدل البقاء في حالة اعتماد كامل على مظلّات خارجيّة. هنا يكمن الامتحان الحقيقي، إذا تحوّل اتفاق مكة إلى محور اصطفافيّ، نكون قد استبدلنا محورًا بمحور وأعدنا إنتاج المنطق نفسه. أمّا إذا تطوّر إلى إطار دفاعي يحترم سيادة الدول، ويردع الاعتداءات، ويشجّع الحوار وتسوية النزاعات، فقد يشكّل مدخلًا إلى مفهوم مختلف للأمن الجماعي. الشرق الأوسط لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الأحلاف المغلقة، بل إلى هندسة أمنيّة مرنة تجعل الردع أداةً لمنع الحرب لا للتحضير لها، وتربط الدفاع عن المصالح الوطنيّة باحترام سيادة الآخرين. في تقديري ما أرادَه الاتفاق المساهمة في بناء الاستِقرار. يُحسَبُ للمملكة العربيّة السّعوديّة رؤيتها الاستباقيّة في ذلك. من الأمن العسكري إلى الأمن الشامل هذه التحوّلات تفرض أيضًا إعادة تعريف الأمن القوميّ في السياسات العامّة. الأمن القومي لا يعني حماية الحدود وبناء القدرات العسكريّة فقط. إنّه يشمل متانة الدولة، واستقلال قرارها، وأمن الطاقة والمياه والغذاء، والأمن السيبراني، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والقدرة على مواجهة التحوّلات ا