هناك أيام تمرّ في تاريخ الشعوب وتصبح مجرد أرقاما في كتب التاريخ، وهناك أيام ترفض أن تتحوّل إلى ماضٍ، لأن دماءها لم تجفّ في ذاكرة أهلها، ولأن أسئلتها لم تجد أجوبة، والذين رحلوا فيها لم يحصلوا بعد على العدالة التي يستحقونها. الثالث عشر من تشرين الأول 1990 ليس مجرّد تاريخ عسكري في الذاكرة اللبنانية، بل جرح وطني لم يُقفل، وملف سيادي وإنساني لا يمكن اختصاره بانتصار طرف وهزيمة آخر. في ذلك الصباح، لم تكن المدافع تقصف مواقع عسكرية فحسب، بل كانت تطوي بالقوة فصلًا من فصول الحرب اللبنانية، وتفتح فصلًا جديدا من الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان. وبين أصوات الطائرات والمدافع، وبين الجنود الذين تمسّكوا بمواقعهم والعائلات التي احتمت بجدران منازلها، كُتبت واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني ألما وتعقيدا. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعد ستة وثلاثين عاما ليس فقط: ماذا حدث في 13 تشرين؟ بل كيف أمكن لدولة أن تمضي كل هذه السنوات من دون أن تنتهي إلى حقيقة قضائية شاملة بشأن ضحايا ذلك اليوم والمفقودين والمعتقلين؟ في 13 تشرين، شنّت القوات السورية البعثية آنذاك، هجوما واسعا على مواقع الجيش بقيادة العماد ميشال عون، الذي كان يرفض الاعتراف بشرعية حكومة الرئيس إلياس الهراوي وانتهت العملية العسكرية بترك عون قصر بعبدا ولجوئه إلى السفارة الفرنسية، لكن نهاية المعركة لم تكن نهاية المأساة فقد وثّقت منظمات حقوقية دولية شهادات وتقارير عن إعدامات خارج نطاق القضاء طالت عسكريين ومدنيين بعد توقف القتال وعن انتهاكات وقعت في محيط بعبدا وضهر الوحش وبسوس ومناطق أخرى. وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف التاريخ طويلًا، فالعسكري الذي يسقط خلال مواجهة مسلحة هو ضحية حرب، أما العسكري الذي يُؤسر ثم يُقتل بعد تجريده من سلاحه، فهو ضحية جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة وقد تضمّن تقرير رُفع إلى الأمم المتحدة ادعاءات عن إعدام نحو مئة عسكري أُسروا في ضهر الوحش، وعن العثور على جثامين ظهرت عليها آثار إطلاق نار من مسافات قريبة، وبعضها كانت أيدي أصحابها مقيّدة. وهذه وقائع وردت في تقارير وشهادات تستدعي تحقيقا قضائيا مستقلًا لتحديد المسؤوليات الفردية، أيّ نهاية للحرب تلك التي يُفترض أن تعيد بناء الدولة، بينما يُقتل فيها عسكريون بعد أسرهم؟ وأيّ سلام يمكن أن يقوم إذا بقيت دماء الضحايا بلا عدالة؟ إن المؤسسة العسكرية اللبنانية ليست ملكًا لرئيس، ولا لحكومة، ولا لحزب، ولا لطائفة. إنها مؤسسة وطنية، والعسكري الذي يرتدي بزّتها لا يفقد حقه بالحياة والكرامة والحماية القانونية مهما كانت الجهة التي أصدرَت إليه الأوامر والوفاء للجيش لا يكون بالشعارات في المناسبات، بل بكشف حقيقة ما تعرّض له عسكريوه، وصون حقوق عائلاتهم، ورفض تحويل دمائهم إلى مادة للمزايدات السياسية. في ذاكرة 13 تشرين، لا يمكن المرور على اسم العماد ميشال عون من دون التوقف عند واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في ذلك اليوم: قائدٌ رفع شعار الصمود حتى النهاية، ثم وجد جنوده أنفسهم في قلب المعركة بينما هو (هر..حل) في السفارة الفرنسية. قبل الهجوم، كان عون يتحدث بلغة المواجهة ورفض الاستسلام. وفي 12 تشرين، عشية العملية العسكرية، نقلت الصحافة الدولية عنه استعداده للمقاومة رغم اختلال موازين القوى. كما نُسب إليه وعد بأن يكون آخر عسكري يغادر قصر بعبدا. لكن صباح 13 تشرين جاء مختلفًا عن الوعود. مع بدء الهجوم السوري، غادر عون قصر بعبدا وانتقل إلى السفارة الفرنسية في الحازمية، ومنها أعلن وقف المواجهة وطلب من العسكريين الخاضعين لقيادته الانضواء تحت إمرة قائد الجيش العماد إميل لحود. وقد وثّقت الصحافة المعاصرة هذه الوقائع، وإن اختلفت الروايات بشأن توقيت خروجه وظروفه الدقيقة. قد يقول المدافعون عن قراره إن انتقاله إلى السفارة كان محاولة لوقف إراقة الدماء، وإن بقاءه في القصر لم يكن ليغيّر النتيجة العسكرية. وهذا تفسير يستحق أن يُذكر في قراءة تاريخية منصفة. لكن ذلك لا يلغي الأسئلة الصعبة. فمن حق القائد أن يسعى إلى إنقاذ حياته، لكن من حق جنوده وعائلاتهم أن يسألوا عن القرارات التي سبقت المعركة، وعن الوعود التي رافقتها، وعن كيفية حماية العسكريين عندما أصبح استمرار القتال مستحيلًا. فالقائد لا يُقاس فقط بشجاعته حين يعد بالمواجهة، بل بمسؤوليته حين يدرك أن المعركة خاسرة، وبقدرته على تجنيب رجاله ثمن القرارات السياسية والعسكرية. وهنا تكمن المفارقة التي لا يجوز أن تمحوها السنوات: عون نجا من ذلك الصباح، بينما سقط عسكريون ومدنيون، وبقيت ملفات انتهاكات جسيمة ومفقودين مفتوحة بعد انتهاء القتال. لم يكن انتقاله إلى السفارة الفرنسية جريمة بحد ذاته، لكن ذلك لا يمنع مساءلة خياراته القيادية والسياسية، تماما كما لا يجوز أن تتحول هذه المساءلة إلى تبرير للجرائم التي ارتُكبت بحق العسك