لم يعد التصعيد في اليمن مجرّد مواجهة على النفوذ والسيطرة داخل بلد أنهكته الحرب. فمع استهداف المطارات والمنشآت السعودية، واحتدام المعارك قرب باب المندب، وتزايد المخاوف على طرق الإمداد في تعز، تتداخل الجبهة اليمنية مع أمن الخليج وحركة التجارة الدولية. وبالنسبة إلى لبنان، يبرز احتمال انتقال تداعيات المواجهة عبر كلفة الاستيراد والطاقة وحركة السفر، حتى من دون أن يكون طرفًا مباشرًا فيها. وفي هذا السياق، تعرض الباحثة في السياسة اليمنية جوسلين يمين، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، مشهدًا يتّسم بخطورة التصعيد، مع التأكيد أنّ تحوّله إلى حرب إقليمية أوسع ليس نتيجة حتمية. فالفارق بين اتّساع الضغوط واتّساع الحرب يتوقّف على القرارات المقبلة: حجم الرد السعودي، واحتمال المشاركة الأميركية، وقدرة الاتصالات الدبلوماسية على احتواء المواجهة. وتشير يمين إلى الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة المنسوبة إلى الحوثيين على المطارات والمنشآت السعودية، بالتزامن مع اضطرابات كبيرة في حركة الطيران. وفي قراءة سياسية لهذا المشهد، تضع الهجمات الرياض أمام معادلة صعبة: حماية منشآتها واستعادة الردع، مع تجنّب الانخراط في مواجهة طويلة تزيد الضغوط الأمنية والاقتصادية عليها. فكلّما اتّسع استهداف البنية التحتية، ارتفعت كلفة الاكتفاء بالدفاع؛ وفي المقابل، قد يؤدّي توسيع العمليات العسكرية إلى ردود إضافية، بما يجعل ضبط التصعيد تحدّيًا موازيًا لإدارة المعركة. داخل اليمن، توضح يمين، أنّ القوات الحكومية المدعومة من السعودية تخوض هجومًا مضادًا لاستعادة مناطق على الساحل الغربي قرب باب المندب. غير أنّ السيطرة على بعض المواقع تبقى موضع خلاف، وسط إعلان الحكومة تقدّم قواتها ورفض الحوثيين تلك الرواية، مع تعذّر التحقّق المستقل من حجم المكاسب. لذلك، تشدّد على ضرورة التعامل بحذر مع الإعلانات العسكرية، وعدم تحويلها إلى خريطة نهائية للسيطرة. وتكمن أهمية هذه الجبهة في أنّ نتائج المعارك قرب باب المندب تتجاوز المساحات التي يربحها أيّ طرف أو يخسرها. فالقرب من ممرّ ملاحي حيوي يمنح التطورات الميدانية وزنًا إقليميًا ودوليًا، ويجعل أمن التجارة جزءًا من حسابات المواجهة. ولا يعني ذلك أنّ تعطيل الملاحة أصبح أمرًا محسومًا، لكنه يفسّر اتّساع القلق خارج اليمن. أما تعز، فتُظهر الجانب الأكثر إلحاحًا من الأزمة. إذ تلفت يمين إلى مخاوف من حصار المدينة وقطع طرق الإمداد، بما يهدّد السكان بنقص الغذاء والوقود والدواء. وهنا، تصبح الطرق نفسها عنصرًا حاسمًا في الصراع؛ فتعطيلها يضاعف الضغط على السكان، ويُضعف قدرة المؤسسات والخدمات على الاستمرار، حتى قبل حدوث تغيير كبير في خطوط السيطرة. وعلى المستوى الإقليمي، ترى يمين أنّ "إيران تستفيد من تعدّد الجبهات التي يواجهها خصومها، لكنها تؤكد أنّ مدى سيطرتها على قرارات الحوثيين في هذه المرحلة غير محسوم. وهذا تمييز أساسي لفهم التصعيد: الاستفادة السياسية من تحرّكات حليف لا تثبت، بذاتها، إدارة جميع قراراته الميدانية. ومن ثمّ، تبقى العلاقة بين طهران والحوثيين عاملًا مؤثّرًا، من دون اختزال المواجهة اليمنية في قرار إيراني مباشر". في المقابل، يشكّل الموقف الأميركي أحد المتغيّرات التي قد تعيد رسم حدود المواجهة. وتشير يمين إلى إعلان الرئيس دونالد ترامب أنّ واشنطن تدرس المشاركة في ضربات ضد الحوثيين، من دون رصد قرار بالتنفيذ ضمن المعطيات التي تستند إليها حتى 12 تشرين الأول. وقد نقلت وكالة "أسوشيتد برس" بالفعل أنّ ترامب كان يقيّم احتمال الانضمام إلى الضربات السعودية. وتعتبر يمين أنّ حصول مشاركة أميركية مباشرة سيكون من المؤشرات الأساسية لتحديد اتجاه التصعيد، إلى جانب طبيعة الرد السعودي واستمرار الهجمات بوتيرة مرتفعة. وتحليليًا، قد تزيد هذه المشاركة الضغط العسكري على الحوثيين، لكنّ قدرتها على احتواء المواجهة ستتوقّف على أهدافها وحدودها والردود التي تستدعيها. وفي الخليج، تشير يمين إلى، دعوات لتعزيز التنسيق الأمني والدفاعي، خشية امتداد التهديد إلى منشآت وممرات أخرى. كما ترى أنّ تزامن التوتر في باب المندب مع الاضطرابات في مضيق هرمز يوسّع المخاطر على الملاحة الدولية. فالمشكلة الاقتصادية تتفاقم عندما تتعرّض أكثر من بوابة تجارية للضغط في الوقت نفسه، وتصبح بدائل النقل أكثر كلفة أو أقلّ انتظامًا. بالنسبة إلى لبنان، تمرّ الانعكاسات المحتملة عبر 3 مسارات مترابطة: الشحن والتأمين على البضائع، وأسعار الطاقة، وانتظام الرحلات إلى الخليج ومنه. فإذا ارتفعت كلفة النقل أو طالت مدّته، قد تنعكس الزيادة على بعض السلع المستوردة. وإذا اتّسعت الضغوط على أسواق الطاقة، فقد تظهر في كلفة المحروقات والنقل والإنتاج. أما اضطراب الطيران، فقد يؤثّر في حركة المسافرين والأعمال المرتبطة بها. لكنّ هذه المسارات ل