بعد 95 يوماً من الحصار والاعتداءات، أُجبرت عائلة محمود الطوباسي على مغادرة منزلَيها تحت تهديد السلاح، فاستولى عليهما المستوطنون في "منطقة الظهر"، القمة الجبلية التي تفصل بين قريتَي جالود وقصرة جنوب نابلس. وتتجاوز قصة المنزلين مأساة عائلة واحدة، لتكشف مساراً استيطانياً يتقدم نحو عمق المنطقتين "أ" و"ب" في الضفة الغربية. فقد أُقيمت 30 بؤرة في مناطق السلطة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، فيما تُطرح خطة لإقامة 100 بؤرة أخرى، في توقيت يسبق الانتخابات الإسرائيلية. صورة مركبة لعايدة ومحمود الطوباسي، اللذين أُجبرا على مغادرة منزلَيهما في منطقة الظهر بعد حصار استمر 95 يوماً. (النهار) تقع جالود جنوب شرقي نابلس، على ارتفاع نحو 790 متراً عن سطح البحر، وتحيط بها قرى قصرة وقريوت والمغير. وفي "منطقة الظهر"، يقع منزلا العائلة وسط 13 دونماً مزروعة بالزيتون واللوز والجوز والتين. ويقول الزوجان إنهما أمضيا 3 أعوام في بناء المنزلين بأيديهما، وأنجزاهما عام 2019 بعدما أنهى أبناؤهما دراستهم، رغبة منهما في تزويجهم وتأمين السكن والاستقرار لهم. وتقول عايدة إنها تولت إعالة أبنائها السبعة، إلى جانب استصلاح الأرض وزراعتها وبيع محاصيلها، بعد إصابة زوجها في قدمه برصاصة أطلقها مستوطن خلال الانتفاضة الثانية عام 2001، ما أجبره على ترك العمل في البناء. وبحسب محمود، تكمن أهمية الموقع للمستوطنين في أنه يتيح وصل البؤرة الاستيطانية في جالود ببؤرة "إيش كوديش" والمنازل الثلاثة المحاصرة في قصرة، عبر الطريق الجبلية خلف منزلَي العائلة. ويضيف أن ارتفاع الجبل يمنح الموقع أهمية استراتيجية، إذ يطل شرقاً على الأغوار وجبال السلط في الأردن، وغرباً على مستوطنة أريئيل، وجنوب غرب على تل العاصور، أكبر قاعدة عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية. وتقع الأرض ضمن المنطقة "ب" الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو. أحد منزلَي عائلة الطوباسي في منطقة الظهر، وتظهر آثار التخريب في محيطه بعد استيلاء المستوطنين عليه. (النهار) من التجويع إلى التهديد بالقتل يقول محمود إن المستوطنين بدأوا التخطيط للسيطرة على الموقع قبل نحو 4 أشهر من التهجير، فأنشأوا بؤرة قرب المنزلين وأقاموا منشآت وخياماً في محيطهما، تمهيداً للسيطرة على المنطقة. ويوضح أن الحصار بدأ في منتصف نيسان/أبريل وانتهى بإخراج العائلة في 22 تموز/يوليو، ويقول إن المستوطنين تعمدوا الاستفراد بها مستغلين الحرب على إيران. وخلال تلك الفترة، أغلقوا الطريق الوحيد المؤدي إلى المنزلين بالحجارة، ومنعوا وصول الطعام والشراب، وقطعوا المياه والكهرباء بصورة كاملة. رشق المستوطنون المنزلين بالحجارة باستمرار، وهدموا أحد الجدران، وحاولوا إحراق سيارة العائلة والمنزل الذي كان أفرادها يقيمون فيه، بحسب محمود. ويشير إلى أن العائلة أخرجت النساء والأطفال من الموقع في بداية الحصار حفاظاً على حياتهم وصحتهم النفسية. أما عايدة، فتقول إن الخوف على حياة زوجها وأبنائها دفعها إلى الرحيل، بعدما هدد المستوطنون العائلة يومياً بالقتل والإحراق، على غرار ما حدث مع عائلة الدوابشة في دوما، فيما هددهم الجيش الإسرائيلي بالاعتقال. وفي نهاية الحصار، خرج محمود وعايدة وابناهما قيس ووائل مرغمين ومنهكين جسدياً ونفسياً. وفور مغادرتهم، اقتحم المستوطنون المنزلين، وخلعوا النوافذ وحطموا الأبواب وألقوا الأثاث في الخارج، كما دمروا المحاصيل المزروعة في الأرض المحيطة بهما. تقول عايدة إنها لا تزال مصدومة من الطريقة التي خرجت بها العائلة من دون اكتراث من وسائل الإعلام أو المسؤولين، وإنها تعاني نفسياً كلما نظرت من منزلها الحالي إلى التلة المقابلة، التي لا تبعد أكثر من كيلومترين. ولجأت العائلة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وبحسب محاميها غياث ناصر، رأت المحكمة أن ما تقوم به القوات الإسرائيلية في المنطقة "يدخل ضمن صلاحيات القائد العسكري وتقديراته"، وأنها لا ينبغي أن تتدخل فيها. وأبدت السلطات الإسرائيلية استعدادها للسماح بعودة منسقة للسكان إلى منازلهم، لكنها قالت إنه لا يمكن تخصيص قوة عسكرية ثابتة للبقاء في المكان، وإن الجيش سيواصل تسيير دوريات في المنطقة. حين لا تحمل العائلة جنسية أجنبية يعبّر محمود وعايدة لـ"النهار" عن حزنهما لعدم انتشار قصتهما، مقارنة بالاهتمام الذي حظيت به المنازل المحاصرة في قصرة. ويرى الزوجان أن امتلاك أحد أفراد العائلة الجنسية الأميركية أو أي جنسية أجنبية كفيل بلفت أنظار وسائل الإعلام العربية والعالمية، واستدعاء اهتمام سياسي وديبلوماسي. يقول الزوجان إن الوزراء والمسؤولين وصلوا إلى قصرة، فيما لم يعد كثيرون يجيبون عن اتصالات عائلة الطوباسي. ويضيفان: "تركنا وحيدين نقاتل ميليشيا منظمة من دون أي اهتمام". ويعتقد محمود وعايدة أن الجنسية الأجنبية تمنح حامله