في لبنان، تتشابك السياسة بالإعلام، وتتنافس الشخصيات العامة على جذب الاهتمام، وهو ما أنتج توجهاً كبيراً نحو "البودكاست" السياسي، مستفيداً من بُنية البودكاست نفسه كمساحة جديدة للكلام، حيث يجلس الضيف أمام الميكروفون، وقد تمتد المقابلة ساعة أو ساعتين، فيروي تجاربه، ويدافع عن مواقفه، ويكشف جوانب من شخصيته ربما لا تظهر في المقابلات التقليدية. لكن، خلف هذا الانتشار، سؤال يطرح نفسه ويتجاوز التكنولوجيا وسهولة التصوير والنشر: هل نشهد ولادة إعلام أكثر حرية وعمقاً، يمنح الجمهور فرصة للاستماع والتفكير، أم أننا أمام منابر جديدة يستطيع من خلالها أي شخص التأثير في الرأي العام من دون ضوابط مهنية واضحة؟ الواقع أن البودكاست في لبنان، يبدو حتى الآن مساحة للاصطفاف السياسي، بما يتخطى كونه عملية توثيقية لتجربة زمنية، أو مساحة نقاش علمي أو تاريخي أو سياسي. لا يختلف في شكله العام، عن "التوك شو" السياسي في القنوات التلفزيونية، لكنه يتحرر من قيود الشاشة، ويطرح موضوعات جدلية للنقاش خارج القيود الاجتماعية والقانونية. وتفضي تلك التجربة إلى صناعة النجوم. هل الجرأة في البودكاست السياسي تعني طرح أسئلة صعبة، أم مهاجمة الضيف ورفع نبرة الصوت؟ ترى الإعلامية ندى الحوت التي تحاور ضيوفها في قناتها الخاصة "The Talk With Nada" أن "الصحافي المخضرم يعرف كيف يدير الحلقة ويستخرج الإجابة الشافية من ضيفه، وأحياناً يتهرب الضيف، لكن المقدم يصرّ على استخراج الجواب المطلوب الذي ينتظره الجمهور". وحين يتحول بعض المقابلات إلى استعراض إعلامي هدفه فقط إحراج السياسي وتحقيق الانتشار عبر الإثارة؟ تقول الحوت أن الصحافي الواثق في قدراته ونفسه ويعمل على المحتوى الهادف ولديه جمهور متابع، لا تكون مقابلته بالضرورة "استعراضية". كل برنامج لديه جمهوره، والأهم أن يحافظ على مناقبيته في المهنة وموضوعيته من خلال إعداد الأسئلة الثابتة والمحددة". تضيف الحوت: "أنا في الغالب أطلب من الضيف أن يقدم إثباتاً على كلامه، ولا أرى أن الخوارزميات هي التي تحدد ما يناقشه اللبنانيون، بل الحدث هو الذي يفرض نفسه. على سبيل المثال، موضوع ارتفاع أسعار النفط، يهم الجمهور من نواحٍ عديدة، والمشاهدات ضرورية جداً، خصوصاً للمقدم"، إذ تساعده في تحديد المواضيع الأكثر اهتماماً ومتابعة. وتقول: "ليست كل مقابلة طويلة، عميقة، وليس كل حديث عفوي صادقاً، ولا كل مقطع يحصد ملايين المشاهدات يشكل دليلاً على قيمة ما يقدّمه. وبين حرية التعبير والرغبة في الانتشار، يبقى التحدي في ألا تتحول المنصة إلى مساحة لترويج الادعاءات أو صناعة صورة محسوبة للضيوف أو حتى الميل إلى الصحافة الصفراء والنميمة السياسية، على حساب الأسئلة الصعبة والجدية إضافة إلى الحقائق. خلال السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالبودكاست السياسي في لبنان، وأصبح منافساً فعلياً للبرامج الحوارية التلفزيونية، إذ يمنح البودكاست مساحة أوسع للصحافي، لكنه في بعض الزوايا، يضعه تحت ضغوط سياسية ومالية مختلفة، وقانونية أيضاً، ويدفع المحاورين إلى طرح قضايا تُعدّ خلافية. يقول رئيس تحرير موقع "Pen Media" ومقدم "Bi Arda"، ريكاردو الشدياق، لـ"المدن": "إن اهتمام الرأي العام بالبودكاست السياسي في لبنان يعود إلى أن هذا النموذج العصري قدم محتوىً متحرراً ومتطوراً عمّا كان في السابق، فالبودكاست يدخل في تفاصيل الضيف السياسي ويكسر نمط مواضيع كانت في الماضي من المحرمات، مثل الفيدرالية اللبنانية والسلام مع إسرائيل ونزع سلاح حزب الله وغيرها"، مضيفاً: "بكل جرأة أقول إن هذا المحتوى تخطى برامج التلفزيونات ونشرات الأخبار وأصبح الأول في لبنان من حيث البرامج الحوارية السياسية، كما أن وسائل التواصل هي المرجع الأول للخبر العاجل، لذا لا منافسة بين البرامج التي تُبث في السوشال ميديا، والبرامج التلفزيونية التي تراجعت إلى الوراء أمام تقدم وسائل التواصل". يتابع الشدياق: "برامج التلفزيون باتت غير قابلة للاستثمار، على عكس وسائل التواصل. فالبرنامج السياسي التلفزيوني يكبّل الضيف ويفرض عليه بروتوكولاً معيّناً"، ويتابع: "الجمهور يبحث عن جواب بسيط من الضيف، وحاسم، كما إن نشرات الأخبار الطويلة سقطت، وأصبحت من الماضي، مقارنة بالأخبار العاجلة في قنوات ومجموعات واتسآب وفايسبوك وإنستغرام وسواها. وعلى الجيل الحالي والجيل القديم أيضاً، التكيّف مع التطور لأن الإعلام التلفزيوني التقليدي أثبت أنه غير قادر على إيجاد توازن مع الإعلام الحديث، لذا انتقلت السيطرة للإعلام الحديث والعصري".