تتجاوز الخسائر الاقتصادية والمادية للحرب في لبنان 27 مليار دولار، وفق تقديرات أولية غير نهائية، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب البلاد، بما يشمل هدم المباني وتجريف الأحياء واستهداف الأراضي الزراعية والبنى التحتية، وسط استمرار السيطرة الإسرائيلية على عشرات القرى والبلدات الحدودية. وتشمل التقديرات الأضرار التي لحقت بلبنان منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إضافة إلى تداعيات جولة القتال التي تجددت في 2 آذار/مارس 2026، عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه مواقع عسكرية إسرائيلية، في أول هجوم من نوعه منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ورغم اتفاق الإطار الذي وقعه الطرفان في واشنطن في 26 حزيران/يونيو الماضي، لا تزال الأضرار تتراكم في مناطق جنوبية، ما يثير مخاوف من ارتفاع فاتورة إعادة الإعمار وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان. نحو 132 ألف منزل مهدّم أو بحاجة إلى هدم كلي وتشير تقديرات نقلها مراقبون إلى أن الخسائر تتوزع بين الأضرار المباشرة التي طاولت المنازل والمباني والمؤسسات والبنى التحتية، والخسائر التي لحقت بالقطاعات الزراعية والتجارية والاقتصادية، فيما يتركز الجزء الأكبر من الدمار في جنوب لبنان، إلى جانب أضرار واسعة في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع شرقي لبنان. وبحسب هذه التقديرات، بلغ عدد المنازل التي دُمّرت أو باتت بحاجة إلى هدم كلي نحو 132 ألف منزل، فيما سجلت أضرار جزئية في نحو 47 ألف منزل، وهي أرقام تعكس جانباً أساسياً من حجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة الإعمار. ويشير مراقبون إلى أن نحو 65 قرية وبلدة جنوبية لا تزال خاضعة للاحتلال أو السيطرة العسكرية الإسرائيلية، مع استمرار عمليات الهدم والتجريف فيها. وتقدّر مصادر أخرى عدد البلدات التي تفرض إسرائيل سيطرتها عليها بالنار بأكثر من 60 بلدة، ما يحدّ من قدرة السكان على العودة إلى منازلهم وأراضيهم. القطاع الزراعي في صلب الأضرار ولم تقتصر الخسائر على المباني والبنية التحتية، إذ تكبد القطاع الزراعي أضراراً واسعة، خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تعتمد شريحة كبيرة من سكانها على الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل. وكان وزير الزراعة اللبناني نزار هاني قد أعلن في أيلول/سبتمبر الماضي تضرر أكثر من 22.5% من الأراضي الزراعية، بمساحة تتجاوز 56 ألف هكتار. وقالت مصادر في وزارة الزراعة إن إسرائيل ركزت خلال الحرب المستمرة منذ عام 2023 على استهداف الأراضي والمساحات الزراعية، مشيرة إلى استمرار الاعتداءات على الأشجار والمزروعات باستخدام أنواع مختلفة من الأسلحة، بما يلحق أضراراً بالأرض والإنتاج الزراعي ومصادر رزق آلاف المزارعين. وأضافت المصادر أن حجم الأضرار مرشح للارتفاع مع استمرار العمليات الإسرائيلية، لافتة إلى أن أشجار الزيتون والموز والحمضيات كانت من بين الأكثر تضرراً. كما تحول السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مناطق حدودية دون وصول مزارعين إلى أراضيهم في بلدات أخرى، ما يزيد الخسائر حتى في المناطق التي لم تتعرض لدمار مباشر. وتبرز تداعيات الحرب بصورة خاصة لدى صغار المزارعين، إذ تشكل الحيازات الزراعية الصغيرة نحو 80% من إجمالي الحيازات في جنوب لبنان، وفق تقارير وزارة الزراعة. ويهدد تضرر هذه الحيازات الأمن المعيشي للأسر الريفية ويضعف النشاط الاقتصادي في المجتمعات الحدودية. انكماش الاقتصاد وخسارة فرص النمو وإلى جانب الدمار المباشر، يحذر باحثون اقتصاديون من خسائر غير مباشرة قد تمتد آثارها لسنوات، معتبرين أن لبنان يخسر فرصاً للنمو والاستثمار والتعافي لا يمكن تعويضها بمجرد إعادة بناء المنشآت المتضررة. ويشير الباحثون إلى أن الاقتصاد اللبناني كان قد سجل ناتجاً محلياً إجمالياً تراوح بين 31.7 و32 مليار دولار في بداية عام 2025، وسط توقعات بتحقيق نمو يتراوح بين 5% و7% خلال عام 2026، وهو ما كان يمكن أن يرفع الناتج إلى نحو 38 أو 39 مليار دولار. لكن تجدد الحرب وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية بددا هذه التوقعات، مع تقديرات بانكماش الاقتصاد بنسبة 6.2% خلال العام الجاري، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 30 مليار دولار. ويرى الباحثون أن هذا المسار قد ينعكس سلباً على نظرة المؤسسات المالية الدولية والمقرضين إلى قدرة لبنان على التعافي والوفاء بالتزاماته. عجز ميزان المدفوعات والتجارة يضغطان على الاقتصاد وتتمثل الخسارة الثانية، وفق الباحثين، في تراجع أداء ميزان المدفوعات، الذي سجل تحسناً وفوائض خلال الفترة الممتدة من عام 2024 إلى منتصف عام 2026، مع ارتفاع التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية إلى البلاد مقارنة بالأموال الخارجة منها. لكن الوضع تغير، خصوصاً خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس، عندما ظهر عجز يقدّر بنحو ملياري إلى ثلاثة مليارا