عرضت الفنانة هدى بعلبكي، لدى غاليري Chaos (التباريس، شارع سرسق)، مجموعة من 36 لوحة ذات أحجام تتراوح بين مقاسات جدارية كبيرة، وأخرى متوسطة وصغيرة. الأعمال المعرضة كانت نُفذت بتقنيات مختلطة مع مادة الأكريليك، وقد أطلقت الفنانة على معرضها تسمية "بيتي". شاء قدر بلدة العديسة أن تقع على بعد أمتار من الأراضي المحتلة. لم نكن نعلم عنها الشيء الكثير، إلى أن اجتاحها جيش الإحتلال الإسرائيلي، ومسحها عن وجه الأرض. تألمنا لضياع منزل الفنان الراحل عبد الحميد بعلبكي، الذي ضاعت معه مكتبة فنية غنية بالمؤلفات التي جمعها الفنان طوال حياته، إضافة إلى مجموعة ليست بقليلة من لوحاته. منزل ابنة العديسة هدى بعلبكي لم يسلم بدوره. ذهب بكل ما فيه، واختفى في الرماد. وبعيداً من البنية المعمارية المادية التي لم يعد لها وجود، فإن البيت، في شكل عام، هو أكثر من ملجأ، ومكان للراحة، ومساحة للحفاظ على الحميمية. المنزل هو نموذج مصغّر للعالم الاجتماعي، ومساحة جسدية ورمزية للعلامات الاجتماعية المختلفة - النوع والجيل والعرق والطبقة الاجتماعية التي يرتبط بعضها بالبعض الآخر. يحتوي هذا الحجم على العلاقات الاجتماعية، والقدرات التي توجد في المسكن، والاهتمام بالعلاقات بين الخيال المحلي، والأشكال الجمالية، والإنتاج الثقافي، وأساليب الحياة المرتبطة بأنماط الحياة السكن. يبدو المنزل، بالنسبة لبعلبكي، كما بالنسبة لنا جميعاً، بمثابة استعارة لمدينة "الموطن الداخلي". فالمنزل لا يضم فرداً واحداً، بل هو عبارة عن "ميكرو" بيئة، تنتظر ما يحميها من الخارج. إنه جسم متكامل يتألف من عناصر مختلفة وأعضاء يتجمعون في عائلة. لقد طُرحت مسألة "السكن" باعتبارها حالة داخلية معاشة ومحسوسة- ضمن أفق عالم مشترك، ويبيّن كل من الفيلسوف الألماني هانس راينر سيب (Hans Rainer Sepp) وكاترين نيلسن (Cathrin Nielsen) في كتابهما حول علم الكونيات أن مفهوم "السكن" يشير إلى الوضع الوجودي للإنسان في العالم، أي إقامة الإنسان على الأرض. وإذا كان السكن يعكس سلوك الإنسان تجاه ذاته، فهو يتضمن بالضرورة علاقته بالعالم أيضاً، لا سيما وأن سلوك المرء تجاه ذاته لا يتحقق إلا من خلال علاقته بالعالم. وإذا كان تمثيل المحيط الخارجي – المشهد العام يخضع لبعض التعديلات التي تمليها الطبيعة المتحوّلة، فإن الداخل هو ما نعيش فيه مع رغباتنا، حبنا، آلامنا، هدايانا التذكارية التي نمنحها شكلنا، وألواننا الخاصة. هذا العالم المصغّر، الذي زال من الوجود، شأنه شأن بيوت أخرى في العديسة، ترك اثراً عميقا في نفس الفنانة، وهي مسألة بديهية من دون شك. لكن الفرق يتجسّد في معنى هذه الخسارة، وكيفية التعبير عن عواقبها وآثارها، وهو ما دفعها الى اختيار هذه التيمة موضوعاً لمعرضها. وبالرغم من أن المشهد الطبيعي يُعدّ، في الفن المعاصر، مجرد خلفية بصرية، لكنه تحول مع بعلبكي إلى أحد أكثر المجالات خصوبةً لتجريب الألوان والمواد والأفكار. فهو بمثابة مختبر يتيح إعادة النظر في اللون كمادة حسية، وخلق حوار بين الإنسان والطبيعة، وتجسيد التغيرات المناخية، وتحولات البيئات في أشكال بصرية. والأهم من ذلك، أنه يفسح المجال لتلك الحركة المتبادلة بين الذاتي والكوني، وبين التجربة الشخصية لمكان ما والقضايا العالمية الكبرى التي تتقاطع معها. إذ لم يعد الأمر يقتصر على مجرد تصوير وادٍ أو شجرة أو أفق، بل بات يتجاوز ذلك إلى مساءلة طريقتنا للعيش في هذا العالم. ومن التجريد اللوني إلى التدخلات الفنية في قلب الطبيعة، يعيد هذا النوع الفني العريق صياغة نفسه في ظل القضايا البيئية والتساؤلات الذاتية العميقة. وبدلاً من أن يندثر، يتحول المشهد الطبيعي إلى تجربة حسية وذهنية وسياسية؛ وضمن هذا النطاق الواسع تندرج الممارسة التصويرية للفنان الفرنسي جان لويس غارسان (1962)، على سبيل المثال، الذي يجعل من المشهد الطبيعي جسراً يعبر من الذاتي والخاص إلى الكوني والشامل. تتمثل إحدى أكثر التحولات عمقاً في المكانة التي تحتلها التجربة الشخصية؛ فلم يعد "المشهد الطبيعي" لدى هدى بعلبكي يشير فقط إلى مساحة بصرية ممتدة، بل أصبح يعبر أيضاً عن حيز داخلي. ومن خلال هذا الانتقال من مجرد "خلفية مشهدية" (ديكور) إلى "تجربة ذاتية"، يكتسب فن المناظر الطبيعية حداثة جديدة؛ فلم يعد الهدف تصوير الطبيعة بأمانة ونقل تفاصيلها، بل إظهار وتجسيد رابطٍ ما: ذلك الرابط الذي يتشكل بين المكان والجسد والذاكرة والوعي البيئي الناشئ. وبذلك، يصبح المشهد الطبيعي منطقة تلاقٍ بين ما هو حميمي وذاتي وبين ما هو كوني وشامل. يلعب الزمن، هنا، دوراً خفياً ولكنه حاسم؛ إذ يمكن للمشهد أن يجمع بين فصول متعددة، وخطوات شتى، وحقب زمنية مختلفة. وقد تطفو الآثار والبقايا على سطح اللوحة، وكأن الفنانة لا توثق لحظة آنية محددة، بل امتداداً زمنياً طويلاً. هذا، في حين لم يعد