كيف تنجح النكتة؟ حين تكون فيها مفارقة بديعة كهذه: إنكليزي أبيض يميني يؤمن بتفوق العرق الأبيض، عنصري معادٍ للسامية والسود والمسلمين (وغيرهم على الأرجح)، يعيش في الولايات المتحدة ويطالب بترحيل "الملايين" من المهاجرين غير الشرعيين، ليس من ضمنهم "الشقر الوسيمون"، كما يقول، تلقي دائرة الهجرة الأميركية القبض عليه وترحّله إلى وطنه الأم بريطانيا، لأن وجوده في أميركا غير شرعي. صاحب هذه الواقعة المضحكة مايلو يانوبولوس، في الثانية والأربعين من عمره. هو نتاج خليط أوروبي يوناني إيرلندي بريطاني، وفيه دم يهودي من جدته لأمه. مثلي، لكنه ضد حقوق المثليين، وضد النسوية، وضد حركة "حياة السود مهمة". ترامبي في الأصل، لكنه صار "ترامبياً سابقاً"، ومع أنه تزوج من رجل في هاواي، إلا أنه استيقظ على خطيئته الكبرى، وهو في طور الطلاق منه، بعدما قرر فجأة أنه "مثلي سابق"، وأنه "وجد المسيح"، وبات يؤمن بأن المثلية مرض من الممكن معالجته. سيرته الذاتية، كما سيرته العملية، سلسلة متينة من فشل يتلو فشلاً، آخرها "شر الطردة" من أميركا. مع ذلك، فهو موجود في السوشال ميديا كمثير كبير للجدل (إذا بقي لهذا الوصف من معنى)، بسبب سلسلة إخفاقاته المتتالية المثيرة لاستهزاء خصومه، وهم كثر: مسلمون ويساريون وأفريقيون أميركيون (إلى آخره…). لكن مايلو هو أيضاً ممن دخلوا أسفل جلباب أبيه دونالد ترامب، ثم قرر أنه لن يعيش تحت الجلباب. الأبوة هنا وصف حرفي تقريباً، فهو كان يسمي ترامب "دادي"، وشكّل ما سماه "مثليون من أجل ترامب" في حملة الرئيس الأولى. والأب لم يتردد في دعم الابن في العام 2017، بعد اعتراض ألغى "محاضرة" لمايلو في جامعة "بيركلي"، إذ غرّد ترامب مهدداً بماذا؟ نعم… بقطع التمويل الفيدرالي عن الجامعة إن لم تحمِ حرية التعبير. لكن مايلو عدو ذاته، ولو بمفعول رجعي. في الشهر نفسه من العام 2017، طفا على سطح السوشال ميديا كلام سابق مخزٍ له، مفاده أنه لا مشكلة في علاقة جنسية بين صبي قاصر في الثالثة عشرة وبالغ. وكان هذا كافياً ليمحوه ترامب من سجلاته. لكن الضرر وقع مع الرئيس الذي يتحمس لمن يبادره بإعلان الولاء والحب. بعد فضيحته، صمت ترامب عن الكلام المباح. لم يعد مايلو موجوداً بالنسبة إليه، لكن العكس بقي صحيحاً، إذ تحوّل المقيم الإنكليزي الشرعي، في حينها، تدريجياً إلى نظرية "قتل الأب" الشهيرة، وبات خصماً لترامب من داخل البيت اليميني. ومرّ مايلو بمراحل تقليدية: أنكر فيها، في البداية، أن ترامب تخلى عنه، ثم رأى أنه ضحّى بنفسه من أجل ترامب، معاتباً إياه، ثم دخل مرحلة انفجار الغضب على ترامب (2020)، واصفاً إياه بـ"المهرج الأناني"، وقائلاً إن حياته ومهنته "تدمرتا إلى الأبد" بسبب وقوفه معه. مايلو يانوبولوس بعد توقيفه في مطار نيو أورلينز في 27 آب/أغسطس 2026، تمهيداً لترحيله إلى المملكة المتحدة. (وزارة الأمن الداخلي الأميركية) وطبق الانتقام يُؤكل بارداً، كما تشير المقولة الشهيرة، أو كما يريد مايلو أن يوحي. فقد قال إنه المسؤول عن ترتيب العشاء الشهير (2022) الذي جمع ترامب بكانييه ويست (أو كائناً ما كان آخر أسمائه)، الرابر الأفريقي الأميركي المعادي للسامية، ونيكولاس فوينتيس، النازي تقريباً في معاداته للسامية. العشاء في مارالاغو كان فضيحة تامة لترامب، الذي قال ببساطة، وقد يكون محقاً، إنه لا يعرف من يكون فوينتيس. لاحقاً، سيقول مايلو إنه كان يبغي تدمير ترامب "من الداخل". فشل طبعاً، بدليل أن ترامب رئيس، وهو إنكليزي غير شرعي مطرود إلى وطنه الأم، المملكة المتحدة، بعد تصويره بأكثر الطرق إهانة. لم يكن مايلو ليستحق الكتابة عنه، لولا أنه، بشكل أو بآخر، صناعة الترامبية في أميركا، مدعوماً بالمتطرفين الجدد الذين وجدوا أصواتهم في السوشال ميديا، التي لا تنفكّ تقدم، على المستوى نفسه، ما له قيمة وما هو رثّ. ومايلو هو قعر الرثاثة الأميركية، وقد عاد إلى بريطانيا. هذا لا يعني أن أميركا ارتاحت منه؛ لقد زاد هموماً على هموم المملكة العتيقة.