ينتج لبنان ما بين 400 و450 طناً من الحليب الطازج يومياً، وفق تصريحات وزير الزراعة نزار هاني عام 2026. ويعكس هذا الرقم أهمية قطاع الألبان والأجبان في الاقتصاد الغذائي اللبناني. لكن زيادة الإنتاج ليست وحدها طريق النمو. فهناك فرصة أخرى: استخدام الموارد بشكل أفضل، وخفض التكاليف، وتحويل المنتجات الثانوية إلى قيمة اقتصادية. فكيف يمكن للاقتصاد الدائري أن يدعم هذا القطاع؟ وما دور المصانع والجامعات والشباب في تحقيق هذا التحول؟ الاقتصاد الدائري: قيمة أكبر من الموارد يقوم الاقتصاد الدائري على تقليل استهلاك الموارد والحفاظ على قيمتها. وهو لا يقتصر على إعادة التدوير. بل يبدأ من طريقة تصميم المنتجات وتنظيم عمليات التصنيع. وفي قطاع الألبان والأجبان، يشمل ذلك تحسين استخدام المياه والطاقة، وتقليل خسائر الإنتاج، وتطوير التغليف، والاستفادة من المنتجات الثانوية. والهدف واضح: تحقيق قيمة أكبر من الموارد المتاحة، مع خفض التكاليف والأثر البيئي. مصل اللبن: من منتج ثانوي إلى فرصة اقتصادية يُعدّ مصل اللبن (Whey) من أبرز المنتجات الثانوية الناتجة عن صناعة الأجبان. ويحتوي على البروتينات واللاكتوز والمعادن. وبحسب تقديرات سابقة نشرها برنامج SwitchMed، ينتج قطاع الألبان والأجبان في لبنان نحو 220 ألف طن من مصل اللبن سنوياً. وتمثل هذه الكمية فرصة لتطوير منتجات غذائية جديدة. وقد شهد لبنان تجربة في هذا المجال. فمن خلال برنامج SwitchMed، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، جرى تطوير منتجات باستخدام مصل اللبن. وشملت مشروبات الفاكهة والعيران والجبنة القابلة للدهن. وأظهرت دراسات الجدوى إمكانية خفض تكلفة بعض المواد المستخدمة في هذه المنتجات. وتوضح هذه التجربة أن الاستفادة من المنتجات الثانوية قد تدعم الابتكار وتخلق قيمة اقتصادية جديدة. من الفكرة إلى التطبيق داخل المصانع يمكن لمصانع الألبان والأجبان البدء بخطوات واضحة. أولها قياس استهلاك المياه والطاقة والمواد الأولية. ثم تحديد مصادر الفاقد ووضع أهداف لخفضه. فعلى سبيل المثال، يمكن تحسين أنظمة تنظيف المعدات للحد من استهلاك المياه. كما يمكن استعادة الحرارة الناتجة عن بعض مراحل التصنيع واستخدامها في عمليات أخرى. ويمكن أيضاً تحسين التخطيط للإنتاج، وتقليل مواد التغليف، واختيار عبوات قابلة للتدوير عندما تكون مناسبة. ولا تتطلب جميع هذه الحلول استثمارات كبيرة. لكن نجاحها يحتاج إلى قياس النتائج، وتقييم التكاليف، والالتزام بمعايير سلامة الغذاء. تجربة فنلندا: التعاون أساس الابتكار تقدم فنلندا مثالاً على دور الشراكات في تطوير الصناعات الغذائية. ففي عام 2024، أطلقت شركة الألبان الفنلندية Valio مشروع Food 2.0، بمشاركة نحو 50 شريكاً من الشركات والمؤسسات في مراحله الأولى.يركز المشروع على تطوير نظام غذائي أكثر استدامة وكفاءة. ويشمل البحث في التقنيات الجديدة، وتحسين استخدام الموارد، والاستفادة من المنتجات الثانوية. وتبرز أهمية هذه التجربة في جمع الخبرات الصناعية والعلمية ضمن مشاريع مشتركة. فهي تُظهر كيف يمكن تحويل التحديات إلى مجالات للبحث والتطوير، بدلاً من التعامل معها داخل كل مؤسسة على حدة. الجامعات والشباب: شركاء في تطوير الصناعة يمتلك لبنان جامعات ومراكز بحثية وطاقات شبابية قادرة على دعم قطاع الألبان والأجبان. لكن تحويل المعرفة إلى حلول عملية يحتاج إلى تعاون مباشر مع المصانع. يمكن للمصانع تحديد تحديات واضحة، مثل ارتفاع استهلاك المياه أو صعوبة الاستفادة من مصل اللبن. ويمكن للجامعات توجيه الأبحاث ومشاريع التخرج نحو تطوير حلول لهذه التحديات. كما يمكن إشراك الطلاب والباحثين الشباب في اختبار الحلول داخل المصانع. ويتيح ذلك تطوير مهاراتهم وربط البحث العلمي بحاجات السوق. وقد تتحول بعض هذه الابتكارات إلى شركات ناشئة تقدم خدمات وتقنيات جديدة للقطاع. برامج وطنية يمكن البناء عليها توجد في لبنان مبادرات يمكن أن تدعم هذا التوجه. ففي حزيران 2025، أعلنت وزارة الزراعة، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، إطلاق مشروع بقيمة 4.5 ملايين دولار لدعم سلسلة إنتاج الحليب ومشتقاته. يستهدف المشروع نحو 3,175 مزرعة تعمل في إنتاج الحليب والأعلاف. ويشمل منحاً مالية ودعماً فنياً واستثمارات في معدات موفّرة للطاقة. كما يهدف إلى خفض تكاليف الإنتاج وتحسين التعاون بين المنتجين والجهات العاملة في السوق. وتضع الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2035 البحث العلمي والاستدامة والابتكار ضمن أولويات تطوير القطاع الزراعي. وتوفر هذه المبادرات أساساً يمكن البناء عليه. لكن دعم الاقتصاد الدائري داخل مصانع الألبان والأجبان يحتاج إلى مشاريع أكثر تخصصاً، تجمع بين الإنتاج الصناعي والبحث العلمي. من البرامج القائمة إلى شراكات عمل