في بلدٍ أعطى العالم قدّيسين، وفي أرضٍ خرج منها شربل ورفقا والحرديني، يصعب أن نقتنع بأن لبنان وُلد لكي يموت.قد يُقصف، ويُحاصر، ويجوع شعبه، وتُنهب أمواله، ويهاجر شبابه، وتتحول أرضه مرة أخرى إلى ساحة لصراعات أكبر منه.لكن لبنان لا يموت بسهولة.ليس لأن القديس شربل سيقوم مقام الدولة، ولا لأن الصلاة تُغني عن الجيش والمؤسسات والقرار السياسي، بل لأن شعباً ما زال يرفع عينيه إلى السماء بعد كل ما أصابه، لا يزال يملك القدرة على النهوض.لكن الإيمان، مهما كان عظيماً، لا يعفينا من المسؤولية.فالقديسون لا يضبطون الحدود، ولا يستعيدون أموال المودعين، ولا يتخذون قرار الحرب والسلم.هذه مسؤوليتنا نحن.ونحن اليوم لا نعيش حرباً واحدة: هناك حرب المدافع والصواريخ، وحرب الاقتصاد والانهيار والهجرة، وحرب ثالثة ربما تكون الأخطر: الحرب على فكرة الدولة نفسها.أن يعتاد اللبناني أن القرار ليس للدولة، وأن يصبح السلاح أقوى من القانون، وأن يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.هنا يصبح الخطر وجودياً.لا دولة بقرارينليست المشكلة أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل. الدول تفاوض خصومها عندما تكون مصالحها وحقوقها الوطنية على الطاولة.المشكلة أن تذهب الدولة إلى التفاوض مستعدة لتنفيذ التزاماتها، من دون أن تنتزع في المقابل التزامات واضحة تحمي لبنان وسيادته.وإذا كان لبنان أمام قضية حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء أي وجود عسكري مستقل عن مؤسساتها الشرعية، فإن السؤال لم يعد فقط:متى يُسلَّم سلاح حزب الله؟بل:كيف تستعيد الدولة السلاح والقرار والسيادة معاً؟ وماذا تنتزع للبنان وهي تفعل ذلك؟وهذا ليس نقاشاً نظرياً. فمنذ توقيع الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران 2026، وما تضمّنه الإطار وملحقه الأمني الذي كُشفت تفاصيله لاحقاً، دخل لبنان مساراً متدرجاً يربط استعادة الدولة سلطتها السيادية ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية وتفكيك بنيتها العسكرية بآليات تحقق، بما يتيح إعادة انتشار القوات الإسرائيلية تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية.وهنا تصبح كيفية التنفيذ جزءاً من السيادة نفسها.حصرية السلاح ليست هدية لإسرائيل، ولا تنازلاً لأميركا، ولا انتصاراً لفريق على آخر.إنها مصلحة لبنانية وقرار سيادي.فلا دولة مع جيشين، ولا سيادة مع قرارين للحرب والسلم، ولا جمهورية مكتملة مع قوة عسكرية تمتلك قراراً مستقلاً عن مؤسساتها الدستورية. وفي المقابل، الانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات واحترام السيادة ليست أثماناً تُدفع مقابل حصرية السلاح.هذه حقوق لبنان.فلا نقايض السيادة بالسيادة. نريدها كاملة.الدولة تستعيد السلاح والقرار معاًعلى بيروت أن تتصرف بعقل الدولة.تقول لحزب الله بوضوح:زمن السلاح المستقل عن الدولة يجب أن ينتهي.ليس انتقاماً من طائفة، ولا استهدافاً لجمهور، ولا خدمة لإسرائيل، بل لأن لبنان لا يستطيع أن يدخل حروباً لم تتخذ مؤسساته الدستورية قرارها.وفي الوقت نفسه تقول لإسرائيل:استعادة الدولة اللبنانية سيادتها ليست شيكاً على بياض.الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الانتهاكات البرية والجوية والبحرية، ومعالجة القضايا الحدودية العالقة، وضمان عودة الأهالي إلى قراهم، ليست مكافآت لحزب الله.إنها حقوق سيادية للدولة اللبنانية. ويمكننا قول الأمرين بلا تناقض:نرفض الاحتلال الإسرائيلي، ونرفض السلاح خارج الدولة.هذه هي السيادة.لا سيادة ضد الخارج تسقط أمام الداخل، ولا سيادة في الداخل تصمت أمام انتهاك الأرض والحدود.لبنان ليس أرضاً مباحة لأحد.ولهذا يجب أن تتحدث الدولة مع حزب الله، لا للتفاوض على مبدأ حصرية السلاح أو لمنحه حق الفيتو، بل للبحث في كيفية الانتقال إلى الدولة الكاملة من دون فتنة داخلية.تقول له:القرار اتُّخذ. السلاح للدولة وحدها.ثم تبحث في كيفية التنفيذ، لا في أصل المبدأ.فالهدف ليس أن يبقى السلاح لحزب الله، ولا أن يُسلَّم سياسياً إلى إسرائيل، بل أن تستعيد الدولة السلاح والقرار والتفاوض معاً.وعندها تستطيع أن تقول للعالم:نحن نفعل ما علينا. والآن عليكم أن تفعلوا ما عليكم.جيش واحد… وإلا لا دولةلكن نزع السلاح وحده لا يصنع دولة.فالدولة التي تحتكر القوة يجب أن تكون قادرة على حماية شعبها وحدودها. ولذلك فإن دعم الجيش اللبناني شرط لنجاح أي تسوية.إذا أراد المجتمع الدولي دولة لبنانية واحدة، فعليه أن يساعد في قيام دولة قادرة، لا مجرد دولة توقّع أوراقاً.وإذا أرادت إسرائيل حدوداً مستقرة، فعليها أن تدرك أن الأمن المستدام لا يُبنى بإضعاف الدولة اللبنانية أو بانتهاك سيادتها، بل بقيام دولة قوية تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم.والمعادلة واضحة:سلاح واحد وسيادة كاملة.جيش واحد وسلطة واحدة.قرار لبناني واحد واحترام كامل للحدود.وحرب الاقتصاد؟السيادة ليست سلاحاً فقط.ما قيمة استعادة قرار الحرب والسلم إذا بقي ا