بعد 36 عاماً على 13 تشرين الأول 1990، بقي الشهداء في الصور والصلوات وذاكرة عائلاتهم، لكنّ الصفوف التي حملت ذكراهم لم تبقَ على حالها. فالذين اجتمعوا حول العماد ميشال عون، ورافقوا سنوات المواجهة والمنفى والعودة، تفرّقوا على امتداد الطريق: بعضهم فُصل، وبعضهم استقال، وبعضهم ابتعد بعدما اتّسعت المسافة بين ما آمن به وما آلت إليه المسيرة. ولا تبدأ هذه الحكاية بخروج آلان عون وسيمون أبي رميا وإبراهيم كنعان وإلياس بو صعب في عام 2024. تلك كانت محطة متأخرة في مسار طويل، سبقتها افتراقات طالت ضباطاً ومؤسسين وناشطين ومسؤولين إعلاميين وتنظيميين. واستعادة هذا المسار في ذكرى 13 تشرين تطرح سؤالاً يتجاوز العضوية الحزبية: كيف تحوّلت حالة جمعت هؤلاء حول قضية واحدة إلى تنظيم وجد عدد منهم نفسه خارجه؟ من أوائل الافتراقات بعد العودة إلى لبنان، برز ابتعاد المسؤول الإعلامي السابق إلياس الزغبي. وفي روايته المنشورة في "النهار"، أعاد القطيعة إلى تموز 2005، رابطاً خروجه باعتراضه على الاتجاه السياسي الذي سلكه عون بعد عودته. كانت تلك إشارة مبكرة إلى أنّ انتهاء المنفى لم يعنِ انتهاء الخلاف، وأنّ الانتقال إلى العمل السياسي العلني سيختبر وحدة الحالة التي تماسكت في سنوات الوصاية. ثم جاء افتراق اللواء عصام أبو جمرا، رفيق عون في الحكومة العسكرية والمنفى. وتكشف الروايات المنشورة عن العلاقة أنّ الخلاف اتّسع مع تشكيل حكومة عام 2009، قبل أن يتحوّل إلى ابتعاد واضح. ولم يكن أبو جمرا اسماً هامشياً؛ فقد كان من الوجوه المرتبطة بالمحطة التي سبقت 13 تشرين وما أعقبها، ولذلك حمل خروجه دلالة تتجاوز الخلاف على موقع أو قرار. وفي حزيران 2010، استقال اللواء نديم لطيف، أحد أبرز الذين واكبوا تأسيس الحالة العونية وإدارة نشاطها. وأعلن أنّه سلّم استقالته في 12 حزيران، بعدما لم تستجب القيادة للمطالب الإصلاحية التي طرحها مع أبو جمرا والقاضيين يوسف سعدالله الخوري وسليم العازار، ضمن مجموعة "الحكماء الأربعة". وفي حديثه يومها، ربط اعتراضه بالممارسة السياسية والتنظيمية، وبما اعتبره عودة إلى أنماط إقطاعية وعائلية سبق أن ناضل ضدّها. تكتسب هذه المحطة أهميتها من توقيتها: فالاعتراض على إدارة "التيار" سبق انتقال رئاسته إلى جبران باسيل. ولذلك، فإنّ اختزال جميع الافتراقات بصراع بين باسيل ومعارضيه يحجب جزءاً من الحكاية. الأسئلة عن المشاركة في القرار، والعلاقة بين المؤسسين والقيادة، كانت مطروحة في عهد عون نفسه. ومع انتقال القيادة إلى باسيل، اتّخذت المواجهة الداخلية شكلاً أكثر حدّة. ففي 29 تموز 2016، صدرت قرارات بفصل نعيم عون وزياد عبس وأنطوان نصرالله وبول أبي حيدر. وبرّر "التيار" الخطوة بمخالفات متكررة للنظام الداخلي والانضباط الحزبي، بينما قدّم المعترضون خلافهم باعتباره دفاعاً عن دور القواعد والشراكة داخل الحزب. لم تكن الأسماء الأربعة تفصيلاً في سجل حزبي. فبينها وجوه ارتبطت بسنوات النشاط العوني قبل العودة إلى السلطة، وشاركت في بناء حضور "التيار" عندما كانت المعارضة تفرض أثمانها. وهنا بدأت المفارقة تظهر بوضوح: التنظيم الذي احتضن تاريخهم صار يحتكم إلى آلياته التأديبية لإخراجهم منه. وفي عام 2018، اتّسعت الدائرة. فقد أوردت "الأخبار" صدور مذكرات فصل بحق بسام الهاشم وزياد البيطار وميشال كيروز وجورج شقير وكميل حبيب، قبل تخفيض عقوبة الأخير إلى تعليق العضوية سنة. وكان الهاشم قد قدّم استقالته قبل الانتخابات النيابية للترشح على لائحة أخرى، ما أضاف إلى المشهد حالة خروج طوعي أعقبها قرار فصل. وبحلول نيسان 2019، كانت مجموعة من العونيين السابقين قد انتقلت إلى محاولة تنظيم اعتراضها تحت اسم "التيار". وضمّ المشهد، إلى جانب نعيم عون وزياد عبس وأنطوان نصرالله وبسام الهاشم، أسماء مثل أنطوان مخيبر وأنطوان الخوري حرب وكمال اليازجي، والعمداء المتقاعدين أنطوان عبدالنور وجورج نادر وأنطوان قصاص. اختلفت أوضاع المشاركين بين مفصولين ومستقيلين ومعترضين، لكنّ اجتماعهم عبّر عن اتّساع الشرخ مع القيادة. وفي الشهر نفسه، صدر قرار فصل طانيوس حبيقة، قبل أن يلحقه رمزي كنج في تموز 2019. وكان كنج من الوجوه المبكرة في الحركة العونية، وقد سبق قرار الفصل انكفاء واعتراض على الشؤون الداخلية، ثم مشاركة في بناء الإطار المعارض. وهكذا، لم يعد الخروج محصوراً بأسماء منفردة، بل صار يطال أجزاء من البيئة التنظيمية القديمة. وفي العام ذاته، اتّسعت المسافة مع شامل روكز، الذي أعلن خروجه من تكتل "لبنان القوي"، موضحاً أنّه لم يكن عضواً حزبياً في "التيار الوطني الحر". وربط توقفه عن المشاركة في اجتماعات التكتل بالخلاف على موازنة 2019، وخصوصاً ما يتصل بحقوق العسكريين وذوي الدخل المحدود. كانت حالته افتراقاً سياسياً عن التكتل، حمل رمزية إضافية بحكم موقعه العسك