لم تعد شحنة متفجرات ضهر البيدر حادثة أمنية معزولة، بعدما كشفت البيانات المتلاحقة للجيش اللبناني والمعلومات الأمنية عن سلسلة عمليات تهريب وضبط لمواد شديدة الانفجار، خلال أقل من أسبوعين، على امتداد الحدود اللبنانية - السورية وصولًا إلى الطريق المؤدية إلى بيروت. فهل نحن أمام عمليات متفرّقة، أم شبكة منظّمة تدير حركة المتفجرات وتحدّد مساراتها ووجهاتها؟ في الأول من تشرين الأول، أعلن الجيش اللبناني ضبط نحو 245 كلغ من مادة TNT الشديدة الانفجار، وأربع عبوات ناسفة، وثمانية مفجّرات للعبوات، إضافة إلى أسلاك كهربائية خاصة بها، أثناء محاولة تهريبها من الأراضي السورية إلى الداخل اللبناني. وقد فرّ المهرّبون باتجاه الأراضي السورية فور وصول دورية للجيش إلى المكان. وفي 8 تشرين الأول، ضبط حاجز لقوى الأمن الداخلي في ضهر البيدر شحنة ضخمة ضمّت 14 شوالًا من مادة TNT بوزن 562 كلغ، و206 كلغ من مادة C4، و15 كرتونة من الكرات المعدنية (الخردق) بوزن 350 كلغ، فضلًا عن خمسة قوالب معدنية فارغة مخصّصة للحشوات الموجّهة. وفي اليوم التالي، أحبط الجيش محاولة تهريب عبر الحدود في منطقة القصر - الهرمل، وضبط كمية من القذائف الصاروخية ونحو 24 كلغ من مادة TNT الشديدة الانفجار. أما في 12 تشرين الأول، فضبطت وحدة من الجيش في منطقة القصر - الهرمل نحو 200 كلغ من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، فيما فرّ المهرّبون مجددًا إلى الداخل السوري. أربع عمليات خلال 12 يومًا، وكميات كبيرة من المتفجرات، ومسارات تهريب تتكرّر. إنها معطيات تعزّز الشكوك في وجود عمليات منسّقة تديرها منظمة "حزب الله"، وتضع شحنة ضهر البيدر في قلب أسئلة تتجاوز السيارة المضبوطة وسائقَيها: مَن أرسل المتفجرات؟ مَن أمّن طريقها؟ ومَن كان ينتظر وصولها؟ وفي هذا الإطار، يحذّر مصدر متابع من أن ضبط شحنة لا يعني بالضرورة اعتراض جميع الشحنات المماثلة، لافتًا إلى احتمال وجود مخازن لم تصل إليها الأجهزة الأمنية بعد، بما فيها مواقع داخل مناطق سكنية مكتظة في بيروت وضواحيها. والأخطر، وفق هذه المخاوف، احتمال تخزين المتفجرات خارج المناطق المحسوبة على "حزب الله"، في محاولة لتضليل الرقابة الأمنية. فالضاحية الجنوبية، الخاضعة لرصد أمني من أطراف عدّة، قد لا تكون المكان الأكثر ملاءمة لإخفاء هذه المواد، ما يثير احتمال نقلها إلى أحياء وبلدات ذات طابع سنّي أو مسيحي، بعيدًا من دوائر الاشتباه التقليدية. بيروت الكبرى... وجهة تثير الأسئلة في هذا السياق، تبرز إشارة بالغة الدلالة وردت على لسان رئيس الحكومة نواف سلام خلال الاجتماع الوزاري الأسبوعي، إذ أكد أن "شحنة ضهر البيدر كانت متجهة من البقاع إلى بيروت الكبرى". وتحديد "بيروت الكبرى" ليس تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، بل معطى تزداد خطورته في ضوء قرار الحكومة، في نيسان الفائت، اعتبار بيروت منطقة منزوعة السلاح. فكيف تُنقل هذه الكميات من المتفجرات باتجاه منطقة يُفترض أن تخضع لحصرية السلاح بيد الدولة؟ ولمن كانت ستُسلّم؟ وأين كان يُفترض أن تستقر؟ ويتفرّع من هذه الأسئلة استفهام آخر يتعلّق بإسرائيل: هل كانت ترصد حركة هذه الشحنات؟ وهل ثمة صلة بين مسارات التهريب والضربات الإسرائيلية قرب الحدود اللبنانية - السورية؟ ويزيد التساؤلات استهداف سيارة رباعية الدفع، الجمعة الفائت، قرب الحدود، ونجاة سائقها، بعد فترة من انقطاع عمليات مماثلة. لكن التزامن لا يثبت وجود رابط بين الحادثتين، ويبقى الأمر رهن معطيات موثّقة. تعيد حادثة ضهر البيدر إلى الواجهة تحذيرات سبق أن أثارتها "نداء الوطن" في مقال بعنوان "خلايا تخريبية بانتظار ساعة الصفر"، تناول مخاطر المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية - السورية، وإمكان استغلالها لنقل الأسلحة والمواد المتفجرة إلى الداخل اللبناني. وحيث أن وقاحة الحزب وصلت إلى حد المطالبة باسترداد هذه الشحنة كما حصل في حوادث سابقة، يؤكد مصدر أمني أن الأجهزة المعنية باتت تتعامل مع الأسلحة والمواد القتالية المضبوطة خارج الأطر الشرعية استنادًا إلى القرارات السياسية الصادرة عن الحكومة، بما يستبعد إعادتها تلقائيًا إلى أي جهة تطالب بها تحت عنوان "المقاومة". وبحسب المصدر، لا يقتصر هذا التحوّل على المصادرة والإجراءات الميدانية، بل يشمل الإحالات القضائية والملاحقات المترتبة عليها، انسجامًا مع قرارات السلطة التنفيذية بشأن حصر السلاح بيد الدولة. وهنا تتجاوز القضية مكافحة التهريب لتتحوّل إلى اختبار لقدرة الدولة على ترجمة قراراتها السيادية إلى إجراءات فعلية، لا تستثني جهة ولا تمنح السلاح غير الشرعي حصانة. في هذا الإطار، تبرز أهمية طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، التوسّع في الاستجوابات والتدقيق في الإفادات. فالمطلوب ليس الاكتفاء ب