بعد نحو سبع سنوات على انهيار القطاع المصرفي اللبناني، لم تعد الأضرار تقتصر على الودائع المجمّدة. فقد أدّى النقص المزمن في الائتمان المتاح إلى ترك الشركات تكافح لتمويل عملياتها، فيما باتت الأسر تبحث عن المال من أي مصدر متاح. وتكشف شهادات بدأت تتوالى من قلب هذا الفراغ المالي عن نشوء سوق إقراض استغلالية، يحصل فيها المحتاجون إلى السيولة العاجلة على الأموال مقابل فوائد فاحشة، فيما قد يؤدي التعثّر في السداد إلى تعريض منزل العائلة أو ممتلكاتها لخطر المصادرة أو الفقدان. بدأ الإقراض المصرفي يتعافى تدريجياً، لكنه لا يزال محدوداً للغاية. فقد أظهرت المراجعة الاقتصادية الكلية الصادرة عن مصرف لبنان في كانون الأول 2025 أن القروض والتسليفات الجديدة بلغت 794 مليون دولار، مقارنةً بـ418 مليون دولار قبل عام. ورغم هذه الزيادة، لم تتجاوز القروض الجديدة نسبة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وخلص المصرف المركزي إلى أن الائتمان المصرفي لا يزال يؤدي دوراً محدوداً في تمويل النشاط الاقتصادي. واستأنفت بعض المصارف تقديم قروض شخصية صغيرة، بما فيها قروض تمويل السيارات، إضافةً إلى تسهيلات قصيرة الأجل للتجار. غير أن هذه الخدمات تبقى بعيدة جداً عن حجم الإقراض الذي كان متاحاً قبل الانهيار. وفي تقرير نشره في حزيران 2025، وصف مصرف لبنان التباين الحاد بين واقع سوق الائتمان قبل أزمة عام 2019 ووضعه في حزيران 2025، مشيراً إلى أن: «إجمالي القروض المصرفية القائمة الممنوحة للقطاع الخاص انخفض من نحو 56 مليار دولار في حزيران 2019 إلى 5.5 مليارات دولار في حزيران 2025، أي بتراجع يقارب 90%. ويُظهر ذلك حجم الفجوة التمويلية الهائلة التي تواجهها الشركات والأسر». وبالنسبة إلى الشركات، فإن التداعيات فورية ومباشرة. فالمورّدون يطالبون بمستحقاتهم، ومواعيد دفع الأجور تحلّ، والمخزون يحتاج إلى تجديد. وقد تمتلك الشركة زبائن وطلبات شراء، لكنها تفتقر إلى رأس المال التشغيلي اللازم للاستمرار. وعندما تصبح المعاملات مرهونة بالنقد المتوافر فعلياً، يمكن لأزمة سيولة مؤقتة أن تتحول إلى تهديد وجودي للمؤسسة. وهنا تحديداً، يفتح اليأس الباب أمام المرابين ومستغلّي الحاجة إلى المال. فالمرابي، أو المقرض الاستغلالي، هو شخص يقدّم الأموال بفوائد مرتفعة بصورة استثنائية، وغالباً خارج نطاق الرقابة التنظيمية الفعّالة، وقد يلجأ إلى الترهيب أو الإكراه لتحصيل ديونه. ولا تكمن الخطورة في ارتفاع كلفة الاقتراض وحدها، بل في اجتماع الفوائد المرهقة مع الشروط الغامضة وأساليب التحصيل التي تدفع المقترضين إلى الخوف من مواجهة المقرض أو الاعتراض على ممارساته. من مكتب الصيرفة إلى شبكة الإقراض تشير شهادات جُمعت في إطار هذا التحقيق إلى أن بعض مكاتب الصيرفة تشكّل نقطة دخول إلى هذه السوق. فقد يتوجّه شخص يبحث عن المال إلى أحد مكاتب الصيرفة، ليُحال من هناك إلى مقرض خاص. كما تؤكد شهادات أخرى جُمعت لهذا المقال أن بعض الصيارفة يمارسون الإقراض مباشرةً، ويتقاضون فوائد تصل إلى 1% يومياً. وتتعلق هذه الاتهامات بمشغّلين محددين، ولا تعني أن جميع مؤسسات الصيرفة تشارك في الإقراض الاستغلالي. لكنها تطرح سؤالاً رقابياً ملحّاً: هل تحوّل بعض الوسطاء العاملين في تداول النقد إلى سماسرة قروض أو مقرضين فعليين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي الجهة التي تشرف على أنشطتهم؟ وتشير الشهادات إلى عمليات إقراض مرتبطة بثلاث جهات رئيسية: •أبو جودة، الذي يمارس نشاطه التجاري في منطقة الدورة. •شخصان من عائلة زعيتر في الضاحية الجنوبية لبيروت. •شخص من عائلة المصري، يتحدّر من طرابلس ويمارس نشاطه في بيروت. ولا تزال المعلومات المتعلقة بهويات هؤلاء الأشخاص غير مكتملة، إذ إن أصحاب الشهادات كانوا يخشون الإدلاء بإفاداتهم وجهاً لوجه. وتوحي الشهادات نفسها بوجود تعاون بين بعض المقرضين، بحيث تُنقل الديون المتعثرة إلى جهات تحصيل يُعتقد أنها تمتلك قدرة أكبر على ترهيب المدينين، من خلال استخدام السلاح والتهديد بالعنف الجسدي. وبذلك، قد يتولى طرف توفير الأموال، وطرف ثانٍ استقطاب الزبائن، فيما يتولى طرف ثالث تحصيل الديون بالقوة أو التهديد. وإذا ثبتت صحة هذه المعلومات، فإنها تكشف عن شبكة مترابطة للإقراض والتحصيل، لا عن مجرد معاملات مالية منفصلة بين أفراد. يمكن للاقتراض بفائدة تبلغ 10% شهرياً أن يحوّل مشكلة مالية قصيرة الأجل إلى عبء يستحيل سداده. فعلى قرض بقيمة 500 ألف دولار، تبلغ الفوائد الشهرية وحدها 50 ألف دولار. وإذا دفع المقترض الفوائد شهرياً من دون تسديد أي جزء من أصل الدين، فإنه يكون قد دفع خلال اثني عشر شهراً 600 ألف دولار كفوائد، أي أكثر من قيمة المبلغ الذي اقترضه أساساً، فيما يبقى مديناً بكامل أصل القرض البالغ 500 ألف دولار. أما إذا أُضيفت الفوائد غ