لا شكّ أنّ الحوادث الأمنيّة المتلاحقة على الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة لها ما لها من دلالاتٍ تتجاوز سياقها الميدانيّ، لكن لا يمكن، في المقابل، التعامل معها بوصفها مؤشّراتٍ حتميّة إلى حربٍ جديدة. فبين الاستنزاف الذي يطاول الجيش الإسرائيليّ، والحسابات السّياسيّة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتحضيرات الأميركيّة والأوروبيّة لإعادة ترتيب المشهد الأمنيّ في الجنوب، تتشكّل مرحلةٌ تتجاوز خطورتها احتمال تجدّد المواجهة العسكريّة إلى طبيعة التسوية الّتي قد تُفرض على لبنان. والسؤال لم يعد محصورًا، بطبيعة الحال، بما إذا كانت إسرائيل ستصعّد، بلّ يتجاوز ذلك ليطال فرضية الاستعداد الإسرائيليّ لتوظيف التوتّر الأمنيّ في تثبيت المكاسب العسكريّة، وفرض ترتيباتٍ جديدة على الأرض، بعدما غيّرت عمليّات إسرائيل في مرتفعات علي الطاهر جزءًا من المعادلة الميدانيّة، فيما تبقى الدولة اللبنانيّة أمام استحقاق استعادة سيادتها، من دون ضماناتٍ إسرائيليّة بالانسحاب أو وقف الاعتداءات. الحوادث الأمنيّة: بين الاستنزاف وصناعة الذرائع أعادت الحوادث التي شهدتها المناطق الحدوديّة أخيرًا فتح النقاش الإسرائيليّ حول جهوزيّة الجيش، وقدرته على إدارة جبهةٍ يُفترض أنّه نجح في تقليص التهديدات الآتية منها. فمن انفجار ذخيرةٍ قديمة قرب كيبوتس يفتاح، وما أسفر عنه من ضحايا وإصابات بين طلّابٍ إسرائيليّين، إلى الحوادث العمليّاتيّة التي طاولت عسكريّين وآليّات، وصولًا إلى استنفار الدفاعات الجوّيّة بسبب أجسامٍ مجهولة، تبدو الجبهة الشماليّة بعيدةً عن الاستقرار الذي تسعى القيادة الإسرائيليّة إلى تكريسه. غير أنّ الدلالة السياسيّة لهذه الوقائع لا تكمن في حجم الخسائر وحده، بل في قابليّتها للاستثمار ضمن الخطاب الأمنيّ الإسرائيليّ. فالحوادث التي لا ترتبط بالضرورة بأيّ نشاطٍ عسكريّ لبنانيّ قد تُستثمر لإعادة إنتاج صورة التهديد الدائم، وتعزيز المطالبة بتوسيع الإجراءات العسكريّة الوقائيّة. ولا يعني ذلك وجود قرارٍ إسرائيليّ مسبق باستغلال كلّ حادثة لتبرير التصعيد، لكنّ تزامنها مع استمرار الاحتلال وغياب الردود العسكريّة من الجانب اللبنانيّ يطرح سؤالًا عن مدى استعداد تل أبيب لتحويل الهواجس الأمنيّة الداخليّة إلى ذرائع لعمليّاتٍ جديدة في الجنوب. ويكتسب هذا السؤال أهمّيّة إضافيّة في ضوء التحذيرات التي أطلقها اللواء الاحتياط الإسرائيليّ يتسحاق بريك، بشأن استنزاف الجيش وعدم استعداده لخوض حربٍ متعدّدة الجبهات. فبينما تواصل القيادة العسكريّة الإسرائيليّة التلويح بقدرتها على توسيع عمليّاتها، تكشف هذه التحذيرات عن نقاشٍ داخليّ حول كلفة المواجهة الطويلة، وحدود قدرة المؤسّسة العسكريّة على تحمّلها. تسويات واشنطن قد تسبقها مواجهة في قراءةٍ تتجاوز الحوادث المباشرة إلى المخطّطات المطروحة للمرحلة المقبلة، يرى اللواء عبد الرحمن شحيتلي، الرئيس السابق للوفد المفاوض حول الحدود البحريّة، في حديثه إلى "المدن"، أنّ مؤشّراتٍ أميركيّة بدأت تظهر بشأن البحث في ترتيباتٍ أمنيّة وعسكريّة جديدة للبنان. ويكشف شحيتلي عن توجيهاتٍ أميركيّة إلى وزارتَي الخارجيّة والدفاع للبدء بالبحث في حلولٍ تتعلّق بالوضع اللبنانيّ، من بينها التحضير لقوّةٍ تتولّى مواكبة انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب، ومراقبة عمليّة تجهيزه وتعزيز قدراته، إلى جانب قوّةٍ أخرى قد تُكلَّف بمهامّ في مناطق لبنانيّة مختلفة. وبحسب شحيتلي، يجري التداول في واشنطن بإمكان إسناد دورٍ إلى فرنسا في تجهيز القوّات التي ستعمل خارج الجنوب، فيما تتمسّك الولايات المتّحدة بأن تكون أيّ قوّةٍ تعمل في المنطقة الجنوبيّة مقبولةً من الجانب الإسرائيليّ. وتتزامن هذه النقاشات، وفق معلوماته، مع بداية تحريك ملفّ المساعدات الدوليّة للبنان، بما يوحي بأنّ الترتيبات الأمنيّة المقترحة لا تنفصل عن مسارٍ أوسع لإعادة تنظيم الدعم الخارجيّ للمؤسّسات اللبنانيّة. غير أنّ شحيتلي يتوقّف عند ما يعتبره الإشكاليّة الأكثر حساسيّة في هذا المسار. فالتجربة اللبنانيّة، بحسب قراءته، تُظهر أنّ التسويات الكبرى لا تأتي دائمًا في ظروفٍ هادئة، بل كثيرًا ما تسبقها مراحل من التصعيد ترفع كلفة الاعتراض عليها. ومن هنا، يطرح احتمال أن يكون رفع مستوى التوتّر مقدّمةً لتهيئة الظروف السياسيّة والأمنيّة أمام ترتيباتٍ جديدة، بما يجعل قبولها داخليًّا أكثر سهولة. ولا يقدّم شحيتلي هذا السيناريو باعتباره قرارًا أميركيًّا محسومًا، بل بوصفه احتمالًا يستدعي التنبّه إليه، ولا سيّما إذا ترافقت التحضيرات الدوليّة مع تصعيدٍ إسرائيليّ يزيد حاجة لبنان إلى ضماناتٍ أمنيّة خارجيّة. ما بعد علي الطاهر: إعادة هندسة الجنوب في هذا السياق، يصعب فصل البحث في مستقبل القوّات الدوليّة عن المخطّط الإسرائيليّ للجنوب بعد العمليّات التي شهدتها مرتفعات