في أكثر اللحظات حراجة، في مواجهة إسرائيل، يدخل لبنان مرحلة جديدة من "الكباش" المفتوح بين مشروع الدولة وبنية حزب الله. هي مرحلة يتجاوز فيها السجال حدود المناكفات السياسية المعتادة ليصل إلى عمق الشكوك المتبادلة حول الأهداف والخيارات. وبدا في الساعات الأخيرة، مع مصادرة الدولة مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة، بحوزة عنصرين من حزب الله في ضهر البيدر، أن المسألة هنا لم تعد تقتصر على الخلاف حول تفاصيل خطة أمنية أو آلية انتشار عسكري في الجنوب، بل تحولت إلى "عض أصابع" صريح حول مرجعية القرار وخيارات البلد ومصيره. وزاد تفاقم الوضع إعلان الجيش ضبط نحو 200 كيلوغرام أخرى من المواد المتفجرة في منطقة القصر – الهرمل، كانت موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، فيما فرّ المهربون باتجاه الداخل السوري. فما يجري على الأرض، بما يواكبه من سجالات ورسائل صارمة، يؤشر إلى وصول العلاقة بين السلطة الرسمية والحزب إلى منعطف شديد الحساسية، يضع الطرفين أمام خطوط تماس سياسية وأمنية ربما لم تعد تتحمل الحلول الوسط. وتدعم هذا "الكباش" أرضية انقسام إقليمي ودولي حاد. فالسلطة الرسمية تستند إلى مظلة دعم دولي وإقليمي واسع تتقاطع فيه واشنطن والعواصم الأوروبية والعربية على ضرورة بسط سيادة الدولة، وحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد المؤسسات الشرعية، باعتبار ذلك الشاغل الأساسي لحماية ما تبقى من الجنوب ومنع استباحته إسرائيلياً. وفي المقابل، يستند حزب الله إلى موقعه في قلب المواجهة الكبرى التي تخوضها إيران على امتداد الشرق الأوسط، من اليمن إلى شواطئ المتوسط، حيث يتجاوز سلاحه وسلوكه الأمني حسابات لبنان الداخلية، ليرتبط مباشرة بخرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة. وهذا المأزق يضع لبنان أمام معادلة شديدة الخطورة. فمحاولة الدولة التمسك بقرارها بدعم خارجي صريح، مقابل إصرار الحزب على الاحتفاظ بالبنية العسكرية واللوجستية كجزء من المعركة الإقليمية، يضع الستاتيكو اللبناني الحالي عند منعطف تاريخي يهدد بانزلاقه إلى مواجهات داخلية مفتوحة. ضهر البيدر: شحنة تتجاوز حدود الضبطيّة الأمنيّة ولم تعد قضيّة المتفجّرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر مجرّد عمليّة أمنيّة انتهت بمصادرة موادّ شديدة الانفجار وتوقيف شخصين، بل تحوّلت إلى مواجهةٍ سياسيّة حول حدود سلطة الدولة، وطبيعة النشاط العسكريّ الذي لا يزال "حزب الله" يمارسه خارج المؤسّسات الشرعيّة. ففي الخامس من تشرين الأوّل الجاري، اعترضت قوى الأمن الداخليّ سيّارةً كانت تنقل شحنةً من المتفجّرات من منطقة بعلبك باتّجاه الضاحية الجنوبيّة لبيروت، عبر الطريق الرئيسيّة التي تربط البقاع بالعاصمة. وبحسب المعلومات المنشورة، بلغت زنة المضبوطات نحو 780 كيلوغرامًا، بينها مادّتا "تي إن تي" و"سي فور"، إضافةً إلى مسامير وكرات معدنيّة صغيرة وأجهزة يُشتبه باستخدامها في التفجير. وتشير معطيات التحقيق المتداولة إلى أنّ الموقوفين تلقّيا تعليماتٍ بنقل الشحنة إلى شخصٍ يُعرف باسم "ذو الفقار" في الضاحية الجنوبيّة، بناءً على توجيهات شخصٍ آخر يُعرف باسم "ساجد"، من دون أن تتّضح حتّى الآن الهويّة الكاملة للمسؤولين عن العمليّة أو الوجهة النهائيّة لاستخدام المتفجّرات. والأهمّ أنّ هذه المعطيات، مهما بلغت دقّتها، لا تحسم الغاية من الشحنة، وهو ما يُبقي التحقيق القضائيّ والأمنيّ المرجع الأساسيّ لتحديد المسؤوليّات وكشف طبيعة العمليّة. سلام يرفع السقف: لا تساهل مع السلاح خارج الشرعيّة وفي أوّل موقفٍ حكوميّ حاسم إزاء القضيّة، وضع رئيس الحكومة نوّاف سلام ملفّ المتفجّرات على طاولة الاجتماع الوزاريّ في السراي الحكوميّ، مؤكّدًا أنّ التعامل مع الحادثة لن يتوقّف عند ضبط الشحنة، بل سيمتدّ إلى كشف الجهات التي تقف خلفها وتحديد أهدافها. وأشاد سلام بعمل القوى الأمنيّة، مشدّدًا على ضرورة توسيع التحقيق وملاحقة جميع المتورّطين، وصولًا إلى إحالتهم على القضاء. لكنّ الرسالة السياسيّة الأبرز جاءت من إشارته إلى أنّ مادّة "سي فور" استُخدمت سابقًا في اغتيالاتٍ سياسيّة شهدها لبنان، وهو تذكيرٌ نقل القضيّة من إطارها الأمنيّ إلى مساحةٍ أكثر حساسيّة، تتّصل بالذاكرة اللبنانيّة المثقلة بالاغتيالات والصراعات الداخليّة. ولم يتّهم سلام جهةً محدّدة بالتخطيط لاغتيالاتٍ جديدة، لكنّه شدّد على أنّ الحكومة ستتعامل بحزمٍ مع أيّ سلاحٍ خارج الشرعيّة، سواء من حيث الحيازة أو النقل أو الاستخدام. ويعكس هذا الموقف محاولةً لتثبيت مرجعيّة الدولة في التعامل مع الملفّات العسكريّة، وعدم حصر قراراتها بما يجري جنوب الليطاني، بل توسيعها لتشمل حركة السلاح والمتفجّرات على مختلف الأراضي اللبنانيّة. ردّ الحزب: حقّ الدفاع في مواجهة سلطة الدولة ولم يتأخّر ردّ "حزب الله"، إذ تولّى النائب إبراهيم الموسوي