لم تهدأ حركة الزوار تجاه واجهة بيروت البحرية الجديدة في السي سايد أرينا حيث بدأت منذ يوم الجمعة فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ67، وتميز اليوم الثالث بعناوين حول تقوية الذاكرة وتطويرها وأهل الماء والنار وتعريف اليسار في لبنان ودوره، إلى جانب إحياء الذاكرة وتحديداً ذاكرة بيروت والهورس شو وذاكرة ناشرة وتاريخ الحضارات ومرور سبع سنوات على الانهيار الاقتصادي والتربية على المواطنية. أقيمت ندوة أدبية ونقدية بعنوان "ماذا تصنع الجوائز بالأدب؟"، أدارها الدكتور بلال الأرفه لي. وشارك في الندوة الروائي الجزائري واسيني الأعرج والروائي الأردني جلال برجس، حيث استهل الدكتور الأرفه لي اللقاء بالتعريف بالروائيين، مشيراً إلى أن وصول الكاتب إلى النور يقتضي المرور بمراحل صعبة وتجارب إبداعية عميقة، وهو ما تجسده مسيرتهما الأدبية. وطرح تساؤلاً حول أثر الجائزة على النص وصاحبه وما الذي يتغير في الصباح الذي يلي الفوز، فأوضح الروائي واسيني الأعرج أن الجائزة تعتبر رهينة الصدفة وليست مقياساً مطلقاً لقيمة الأدب، إذ تظل العبرة بالأيدي التي تقع عليها الرواية وتقرأها. وأكد أن نيله لجائزة "الشيخ زايد للكتاب" كان إحساساً مهماً بأن ما يكتبه يصل إلى الآخرين، مما يمنح نوعاً من الراحة النفسية والدافع للاستمرار، مشبهاً الجائزة باللمحة أو "بتفاحة نيوتن" التي تسقط فجأة دون أن تتحول إلى رهان أساسي أو هدف قائم بحد ذاته. من جهته، رأى الروائي جلال برجس أن الإنسان منذ الخليقة يبحث عن الاعتراف والتقدير، واصفاً الجائزة بأنها سيف ذو حدين لا يُدرى إن كان لأسف الكاتب أم لحسن حظه، لما تفرضه من مسؤولية وتحول في مساره الإبداعي. أقيمت أصبوحة شعرية بعنوان "للصباح قصيدة" أدارتها الإعلامية كلود كلاسي صوما، وشارك فيها الشاعر علي سلمان والشاعرة والإعلامية إيناس زيدان حاطوم، بحضور حشد من أهل الأدب والثقافة. وألقت الشاعرة ناريمان علوش قصيدة شعرية، واستعرض الشاعران قصائدهما ونصوصهما النثرية، حيث قرأت الشاعرة إيناس حاطوم قصائد عن الحب والصباحات العاشقة، بينما قدم الشاعر علي سلمان نصوصاً تحمل أفكاراً فلسفية عميقة ومعاني مكثفة. واختتمت الأصبوحة الشعرية بإلقاء كل من إيناس حاطوم وعلي سلمان قصائد خاصة من تأليفهما. أقيمت ندوة أدبية وثقافية تناولت كتاب "أهل الماء والنار" للكاتب والباحث الدكتور طارق العريس، أدارتها الإعلامية أ. سارة تلو التي استهلت الندوة بتقديم قراءة حول مضامين الكتاب، مشيرة إلى أنه يروي قصة هجرة تبدأ من بيروت التي دمرتها الحرب اللبنانية لتنتقل إلى مدن شرق أميركا الثلجية، وهي قصة تحمل طابع الخسارة ولكنها تعكس أيضاً تطور مرونة روحية مشوبة بالسخرية والجرأة. بدوره، أوضح العريس العلاقة الجدلية بين الماء والنار ورغبته في إلقاء محاضرة عن بيروت ليفاجأ ببلاد البحر. وبالنسبة له، تمثل بيروت مدينة تقبل على البحر فيحضنها ويطويها ساحل مستحدث بعيد عن الطبيعة والرومانسية، حيث يدير أبناء بيروت ظهورهم للبحر رغم أنه شكل المنفذ الوحيد إبان الحرب. وأشار إلى وهم الحرية والأفق المفتوح، مبيناً كيف تتحول المياه إلى رمز للحنين والضرورة الحياتية، وفي الوقت ذاته مكان للوجع وحرقة الغياب، حيث تتقاطع هذه المعاني مع واقع بيروت التي عاشت بين نار الحرب ومياه البحر. وحول الإطار التحليلي النفسي الفرويدي الذي اعتمده الكاتب، أشار العريس إلى أنه ترعرع في عائلة فرويدية، وكان يخطط للبدء بالفصل الخاص بـ "أهل البحر"، إلا أن النقاشات مع المقربين ومن خلفيته الأكاديمية دفعت نحو تقديم تمهيد يستكشف الدوافع العميقة وراء كتابة هذا العمل، لتبدأ الرحلة وتنتهي عند المحلل النفسي بما ينسجم مع البناء الأكاديمي للكتاب. أقيمت ندوة سياسية وفكرية بعنوان "من هو اليسار في لبنان وما الحاجة إليه اليوم؟"، أدارها الدكتور كريم صفي الدين الذي افتتح الندوة بطرح تساؤلات جوهرية حول المسائل الأساسية التي يواجهها المجتمع اليوم والضرورات التشريعية والسياسات التي يجب فرضها لمواكبة هذه التحديات، متسائلاً عما إذا كان اليساريمثل حاجة فعليّة وردّاً حقيقيّاً على التحديات الراهنة في لبنان. وقدم الدكتور توفيق كسبار قراءة تاريخية وفكرية لمفهوم اليسار، مبيناً أنه نشأ مع الثورة الفرنسية حين جلس ممثلو النبلاء على اليمين وممثلو الشعب على اليسار، ليصبح اليسار منذ ذلك الحين معبراً عن المعارضة وضد السلطة القائمة ولصالح التوزيع العادل للثروات والدخل. وعن الواقع اللبناني، رأى كسبارأنه كان هناك يسارٌ في لبنان، لكنه تراجع نتيجة إنخراطه في تطورات الحرب عام 1975 وإتفاق القاهرة وإجتياح إسرائيل للبنان. واختتم بالقول إنه لم يعد هناك يسار بالمعنى الفعلي في لبنان اليوم، مستدركاً بأن الحاجة إليه ما زالت قائمة بشرط أن يكون يساراً وطنياً جامعاً. أقيم