قطع الإنترنت لا يحتاج إلى إطفاء الشبكة بالكامل. استهداف محطة اتصالات، أو التشويش على نظام تحديد المواقع، أو تعطيل البنية التحتية، كفيل بأن يحوّل الاتصال من خدمة يومية إلى مسألة تمس الأمن والحقوق، وحتى القدرة على طلب النجدة في زمن الحرب. هذه المساحة بين التكنولوجيا والقرار هي جوهر "حوكمة الإنترنت"، التي لم تعد شأناً محصوراً بالمهندسين والتقنيين، بل باتت تمتد إلى حماية البيانات والوصول إلى المعلومات والحقوق الرقمية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والقواعد التي تنظّم استخدامه. وحوكمة الإنترنت (Internet Governance) ليست عملية تقنية أو تشريعية فحسب. تفيد "اليونيسكو" بأنها "تطوير وتطبيق مبادئ ومعايير وقواعد وإجراءات لصنع القرار وأنشطة مشتركة، من جانب الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع التقني، كلٌّ وفق دوره، بما يشكّل تطوّر الإنترنت واستخدامه". وتضطلع الحكومة بمسؤولية وضع السياسات العامة والقوانين الوطنية والدفاع عن السيادة والأمن، أما القطاع الخاص فيطور البنية التحتية، ويقدم خدمات الاتصالات، ويبتكر التطبيقات والتقنيات. المجتمع المدني والمستخدمون بدورهم، يدافعون عن الحقوق الرقمية، وحرية التعبير، والخصوصية، أما التقنيون والأكاديميون المسؤولون عن إدارة الأسماء، والأرقام، والمعايير التقنية. تقوم حوكمة الانترنت على نموذج متعدد أصحاب المصلحة (Multistakeholder)، نظراً إلى تأثير الإنترنت المتزايد في الاقتصاد والسياسة والمجتمع. ومع تحوّل أمنه واستقراره إلى قضية جيوسياسية عالمية، باتت تحدياته تتجاوز حدود الدول وسيادتها، مما يجعل التعاون الدولي ضرورياً، خصوصاً أن أي إجراء محلي قد تكون له تداعيات عابرة للحدود. من هنا، فتح "هاكاثون الذكاء الاصطناعي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، الذي أقامته منظمة "سميكس" في 8 و9 تشرين الأول، نقاشاً أبعد من بناء الأدوات التقنية، نحو فهم كيفية إدارة الفضاء الرقمي والسياسات التي تتحكم به تحت نطاق حوكمة الانترنت. كان العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، أساساً لجعل هذا النقاش أكثر إلحاحاً، إذ باتت الاتصالات نفسها جزءاً من ساحة المواجهة، سواء عبر استهداف منشآتها مباشرة أو التشويش عليها وتعطيلها. يقول مدير الإعلام ومشروع حوكمة الإنترنت في منظمة "سمكس"، عبد الغني قطايا، لـ"المدن"، إن "التعتيم ليس جديداً، لكن أدواته تطورت. فقد يحصل عبر التدمير المباشر لأبراج ومحطات الاتصالات، أو استهداف الكابلات، أو التشويش على أنظمة تحديد المواقع، إضافة إلى اختراق الأنظمة واعتراض الاتصالات والتنصت عليها". وفي لبنان، ظهر أثر ذلك بصورة مباشرة خلال الحرب. فقد سبق أن أدى استهداف العدو الإسرائيلي لمحطة "ألفا" الرئيسية في محيبيب، قضاء مرجعيون، إلى تعطّل 6 محطات وانقطاع الخدمة عن المناطق التي كانت تتغذى منها. هنا، لا يعود الضرر محصوراً بشركة اتصالات أو بأبنية تقنية، بل يُنتقل مباشرةً إلى المدني الذي يحتاج إلى الشبكة للتواصل أو الاستغاثة في حالة طوارئ ويكشف سهولة وقدرة دولة أخرى بالتعدي على الحدود الرقمية للبلد. يوضح قطايا أنه في حالات التشويش يمكن اللجوء إلى "الاتحاد الدولي للاتصالات وفق الأطر المنظمة للاتصالات بين الدول، إلى جانب اعتماد وسائل تقنية لمواجهة التشويش أو البحث عن شبكات بديلة، ومنها الاتصال الفضائي في بعض الحالات". إلا أن وجود هذه الآليات لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إلى حل سريع. يقول قطايا: "لا تملك المؤسسات المعنية قراراً حاسماً في هذا الموضوع، ويبقى دورها محصوراً بالناحية التنظيمية فقط". من محطة اتصالات تتوقف خلال الحرب، إلى بيانات مستخدم تُجمع على منصة، وصولاً إلى ذكاء اصطناعي، تبقى هذه الملفات جميعها تحت مظلة "حوكمة الانترنت" التي لم تعد منظومة تقنية فحسب، بل مساحة تتداخل فيها الحكومات والشركات والمنظمات الدولية والمجتمع التقني والمجتمع المدني. توضح خبيرة حوكمة الإنترنت كريستين عريضة لـ"المدن"، أن "الإنترنت نفسه تغير ودخل في تفاصيل الحياة اليومية، فتحولت حوكمته إلى قضية تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات والأمن الرقمي والوصول إلى المعلومات وحرية التعبير". ومع ذلك، "توسعت أيضاً دائرة المعنيين بصنع سياساته، وهو ليس محصوراً في جهة واحدة تديره، غير أن هذا التوسع لم يقابله انخراط عربي كبير، فالمنطقة تستهلك المنصات والخدمات والتقنيات، فيما لا يزال حضور مجتمعاتها في المساحات التي تناقش مستقبلها الرقمي وسياساته بحاجة إلى تعزيز". بذلك، تبرز أهمية "وجود حوار وطني في الدول العربية حول قضايا مثل حماية البيانات والوصول إلى المعلومات ومواجهة التعتيم، على أن تنتقل هذه النقاشات المحلية بدورها إلى المساحات العالمية"، بحسب عريضة. ويتجاوز الأمر تأمين الشبكة إلى القدرة على الاستفادة منها، إذ تضع رئيسة اللجنة الاستش