أثار نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعة دمشق، سجالاً في مواقع التواصل الاجتماعي حول مصير أحد معالم العاصمة وعلاقته بذاكرة سكانها، بعدما برّرت المحافظة الخطوة بالصيانة وإعادة تأهيل محيط القلعة، من دون تحديد موعد لإعادة عرضه أو التعهد بإعادته إلى موقعه السابق. وتداول رواد صورة تُظهر التمثال محمولاً في شاحنة أُرفقت بعبارة "رحيل.. صلاح الدين"، دلالة على معنى الوداع الذي حضر في الاعتراضات على إبعاد النصب عن موقعه. ونُقل التمثال، السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر، إلى محيط بانوراما حرب تشرين على أوتوستراد العدوي، فيما اكتفى بيان محافظة دمشق بالإشارة إلى نقله إلى موقع ملائم، تمهيداً لترميمه ومعالجة الأضرار التي لحقت به. وتأتي العملية ضمن مشروع تنفذه مديرية دمشق القديمة بالتعاون مع منظمة "هاند"، حسبما ذكرت دائرة آثار دمشق. وأوضحت المحافظة أن أعمال الصيانة تترافق مع دراسة موقع لإعادة عرض النصب، يتيح للزوار مشاهدته وتقدير تفاصيله من زوايا مختلفة، ويراعي انسجامه مع المحيط العمراني والتراثي. إلا أن الحديث عن اختيار موقع جديد أبقى مسألة عودته إلى موضعه المعتاد أمام القلعة مفتوحة، وهو ما تناولته اعتراضات ربطت قيمته بالمكان الذي ارتبط به طوال أكثر من ثلاثة عقود. وقدّم مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد فرخ، توضيحات إضافية، قال فيها إن المعاينات أظهرت تشققات وأضراراً في أجزاء التمثال نتيجة العوامل البيئية والتعديات، بينها الكتابة عليه واعتلاؤه. وأضاف أن حجمه وموضعه يحجبان جزءاً من واجهة القلعة، ويسهمان، إلى جانب الإشغالات التجارية، في تضييق المساحة المتاحة للمشاة ودفع بعضهم إلى السير في الطريق المخصص للمركبات. وذكر المكتب الإعلامي للمحافظة أن البانوراما والموقع المقابل للقصر العدلي من الخيارات المطروحة لإعادة العرض بعد الترميم، وأن الاختيار النهائي ينتظر استكمال الدراسات. وبذلك، بقيت وجهة العرض المقبلة غير محسومة، رغم تداول أخبار قدّمت البانوراما بوصفها الموقع الجديد للتمثال. وافتُتح النصب عام 1993 بمناسبة الذكرى الثمانمئة لوفاة صلاح الدين الأيوبي، وصممه النحات السوري عبد الله السيد بمشاركة نزار علوش وفؤاد طوبال. ويظهر فيه صلاح الدين ممتطياً جواده، برفقة جنود من جيشه، وخلفه اثنان من قادة الفرنجة الأسرى، في استحضار للانتصار في معركة حطين. ويوثق أرشيف التراث السوري وجود النصب عند الواجهة الغربية للقلعة منذ عام افتتاحه. وتستند رمزيته إلى سيرة قائد من أصول كردية، حكم مصر والشام وقاد الانتصار في حطين واستعادة القدس عام 1187، قبل وفاته في دمشق عام 1193. واجتمعت هذه الخلفية مع حضور التمثال في الحياة اليومية للمدينة، ليصبح نقطة يستدل بها السكان والزوار، فيما ظهرت صورته أيضاً في الورقة النقدية السورية القديمة من فئة مئتي ليرة. وحضرت هذه الروابط في الاعتراضات على نقله، بين من استعاد مكانة الشخصية التاريخية ومن تحدث عن علاقته الشخصية بالموقع. وعبّر منشور في "إكس" عن هذا التداخل، واصفاً النصب بأنه "ذاكرة دمشق وهوية سوريا العربية الكردية"، ومعتبراً أن إبعاده عن القلعة يمسّ رمزيته المشتركة لدى مكونات المجتمع. وفي تعليقات أخرى، تساءل مستخدمون في وسائل التواصل عن سبب اختيار نقل التمثال لمعالجة الفوضى حوله، عوضاً عن تنظيم البسطات وإزالة المخالفات التي تشوّه محيط القلعة. في المقابل، أيّدت منشورات أخرى نقله للصيانة، واستعادت صوراً للتعديات عليه واستخدام محيطه لعرض البضائع، معتبرة أن حمايته تستدعي تدخلاً يوقف الإهمال. وذهب بعض المؤيدين إلى أن عمر النصب، الذي لا يتجاوز نحو 33 عاماً، يتيح إعادة النظر في موضعه أمام بناء أثري أقدم بكثير، بينما تمسك معترضون بالقيمة التي اكتسبها من ارتباطه بذاكرة الناس، بصرف النظر عن تاريخ إنشائه. ودافع مدير إعلام محافظة دمشق، عبد الخالق الأحمد، عن الإجراء، مشيراً إلى تعليق الملابس والبضائع حول التمثال والكتابة عليه واستخدام المساحة خلفه بصورة غير لائقة. واعتبر أن حماية المعالم تشمل صيانتها وتأمين محيط يحفظ قيمتها، وأن نقلها لأغراض الترميم والحماية إجراء متبع في دول مختلفة.