جاء نجاح حفلة نجوى كرم في "أرينا" بالتزامن مع إطلاق "اشتقتلك"، ثم "تاك تاك" من ألبومها الجديد "شو ما صار"، وذلك في توقيت حملة واسعة طاولت صوتها وحضورها وصورتها الفنية، بعد غياب عن الساحة الفنية والسوشال ميديا، مع إغفال المنتقدين حضورها اللافت والمكثف خلال العامين الماضيين في أهم المسارح العربية. كرم، التي تمسكت بالأغنية اللبنانية طوال مسيرتها، تقول لـ"المدن" إنها لا تجد حاجة إلى إطالة الحديث عن الجهة التي تقف وراء هذه الحملة، بل تختصر قراءتها للمشهد بكلمة واحدة: "الحقد"، رافضة الدخول في التفاصيل والسجالات، لأنها تفضل أن تواصل طريقها وفق النهج الذي اختارته لنفسها. غير أن الحملة لم تتوقف عند حضورها الفني، بل طاولت شكلها وإطلالتها، واتُّهمت بالاهتمام بالمظهر على حساب المضمون، بعد طرح فيديو كليب "تاك تاك" الذي ظهرت فيها أكثر شباباً وحيوية وجمالاً، مما جعل البعض يتهمها بتعمد الظهور بهذه الصورة مقارنة بالشخصيات المشاركة في الكليب. بالنسبة إلى نجوى، الجمال ليس بديلاً عن الموهبة، بل جزءاً من حضور متكامل، ولذلك حين تُسأل عن سبب استكثار البعض عليها اجتماع الصوت والنجاح والجمال والتألق، تجيب: "لا أعرف، ما أعرفه أنني أواصل طريقي وأعتمد النهج نفسه". ولا يبدو أن هذه الحملات تدفعها إلى تغيير موقعها أو إعادة حساباتها؛ وتقول إن المسألة بعد سنوات طويلة من العمل لم تعد مرتبطة بإثبات القدرة أمام الآخرين، بقدر ما أصبحت اختباراً مستمراً لنفسها، وتضيف: "أنا في حالة تحدٍّ دائم مع الذات". ولعل اسم الفنان يتحول أحياناً إلى قيد، لأن الجمهور يصنع له صورة يصعب الخروج منها، لكن نجوى لا تشعر بأنها محاصرة بهذه الصورة، بل ترى أنها تواصل ما بدأته وفق قناعاتها. تقول: "أنا لا أرى الأمر بهذه الطريقة، ولا أشعر أني محاصرة أبداً، بل أنا ما زلت أواصل ما كنت أفعله طوال حياتي ووفق قناعاتي"، لذلك لا تعتبر عودتها إلى أغنياتها القديمة بتوزيعات جديدة، كما حدث في حفلتها الأخيرة، استعادة لنسخة سابقة منها، بل استمراراً لهوية لم ترَ فيها تناقضاً بين الأمس واليوم والغد، وتوضح: "أنا نفسي الأمس واليوم وغداً، وهويتي هي نفسها شخصياً وفنياً"، وتشير إلى أن السنوات لم تبدّل جوهر التجربة بقدر ما أضافت إليها. ومن هذه النقطة تحديداً تتحدث عن علاقتها بالأغنية في زمن أصبحت فيه الأعمال تتنافس على المنصات بشراسة وبسرعة، وقد يصل عمل جديد قبل أن يحصل عمل سبقه على فرصته الكاملة، وفي هذا الإطار تؤكد أنها لا تتعامل مع الأغنية من منطلق أنها لحظة انتشار عابرة، بل تبحث عن العمل الذي يستحق أن يعيش، ولذلك تقول: "عندما أجد أغنية مهمة لا أفوّتها لأني أحرص على اختيار الأغنية التي تستمر". هذه المقاربة نفسها، تحكم موقفها من "الترند". تقول: "العمل الناجح هو الذي يصنع الترند والفنان الذي يلاحق الترند وحده، هو في الحقيقة يبحث عن التواجد، لا أكثر"، مشيرة إلى أن الحضور بالنسبة إليها نتيجة للعمل، وليس سبباً كافياً لصناعته. التغيرات التي طرأت على الوسط الفني لا تدفع نجوى إلى اتخاذ موقف رافض من كل جديد، فهي تقول بوضوح: "أتقبل كل شيء، لكني أحب بُعد النظر"، وذلك لأنها ترفض أن تقيل الأشياء الجديدة لمجرد حداثتها، بل بما يمكن أن يترتب عليها من نتائج إيجابية أو سلبية. وهذا البعد نفسه يحضر في علاقتها بالجمهور؛ فمع مرور السنوات يصبح للفنان جمهور يعرف صورته وينتظر منه خيارات محددة، لكن نجوى لا تختصر علاقتها بالفن في محاولة تلبية هذه التوقعات. وحين تُسأل إن كانت مسيرتها الطويلة جعلتها أكثر حرية فنياً أم أكثر أسرٍ لما يريده الجمهور، تأتي إجابتُها من مكان آخر: "أنا أسيرة لكل أغنية أحبها"، وتوضح أن الأغنية التي تؤمن بها هي التي تقودها، حتى لو لم يكن طريقها سهلاً، وهذا ما يفسر أيضاً تغير تعريفها للنجاح. وبعد سنوات طويلة لم تعد اللحظة الرائجة أو الأغنية التي تحقق انتشاراً سريعاً هي المقياس الأهم، بل القدرة على البقاء والاستمرار. وتشير إلى أن "الاستمرارية أخطر وأصعب"، لأن الاستمرار من وجهة نظرها يمثل لها تحدياً أكبر من النجاح نفسه، خصوصاً في مجال صناعة تتبدل قواعدها باستمرار. ومع ذلك، لا تبحث في اختيار الأغنيات عن التغيير لمجرد إثبات أنها قادرة على التغيير، إذ تقول: «كنت وما زلت أختار العمل الذي يلمسني وغير المبتذل»، لأنهما بالنسبة إليها يظلان معيارين ثابتين، مهما تغيرت الأزمنة والأذواق. ولو أُتيح لها أن تبدأ مسيرتها من جديد؟ لا ترى نجوى سبباً لإعادة النظر في الطريق الذي اختارته. تقول: "لا أغيّر شيئاً وهذا يعني أني في الطريق الصحيح بدليل أني ما زلت موجودة والحمد لله"، وتعتبر أن وجودها المستمر، ليس مجرد نتيجة لمسيرة طويلة، بل دليل على أنها لم تكن بحاجة إلى إعادة كتابة قراراتها. أما خارج الفن، فتختصر ما تعلمته من الحياة